Palestine… The Exodus and The Odessey. Part IV

(4)

العطش على طريق التيه…2

أخذ الإرهاق و التعب منا مأخذه، فبدأت المسيرة تتعثر بسبب عدم قدرة المسنين و المرضى و الأطفال على الاستمرار. بدأ البعض ممن أرهقهم السير الشاق يفتش عن ظل صخرة ليرتاح قربها، بينما راح بعض الفتيان يفتشون عن ماء في بئر منسي هنا أو هناك… أي ماء

و بالفعل، فقد وجدنا بعض الآبار المهجورة، أو حفرا طبيعية بين الصخور، ترسبت فيها بقايا مياه عكرة. غببنا الماء كالخيول، و راح بعضنا يفتش عن وعاء أو عن حبل أو ما يمكن أن يشكل حبلا، ليدلي كل بدلوه. مئات من الأشخاص تدافعوا للحصول على رشفة من تلك الآبار ليبللوا شفاه أمهاتهم أو أبنائهم إو إخوتهم أو المسنين منهم

كان مجرد مشاهدة شخص يركض و هو يحمل أو يخبيء شيئا يعني أن ذلك الشخص يحمل ماء، فترى العشرات يندفعون للحاق به، آملين أن ينال الواحد منهم رشفة ماء

ذبل الأطفال من شدة الحر كما تذبل الزهور العطشى، وجوههم كانت كئيبة، مغبرة، شاحبة، و شفاههم بدت بيضاء من شدة العطش

مع اشتداد الحر دبت الفوضى بين الجموع، و تفاقم العطش و التعب و الإرهاق، و فقد الكثير من الناس القدرة على تمييز الأشياء، فضاع أطفال كثيرون، و سقطت على الأرض هامات المسنين و المرضى و الحوامل، و تحولوا إلى جثث لا حراك فيها. لم يعد الأطفال يطيقون صبرا، أو قادرين على مواصلة السير، فارتفع بكاؤهم و أنينهم، و أصيب الآباء و الأمهات بالهلع و هم يشاهدون فلذات أكبادهم يتلوون أو يحتضرون عطشا، و كالمجانين أخذوا يبحثون عن رشفة من ذلك الماء العكر و الآسن

كنت ممن تمكن من أن يجد له مكانا بين جموع المتجمهرين حول أحد تلك الآبار، و أدليت بدلوي مع عشرات مثلي، و بعد عدة محاولات، تمكنت بمساعدة شقيقي من الحصول على بعض الماء. حافظت على أكبر قدر منه، خبأته تحت بقايا قميصي الذي ابتل، و رحت أركض باتجاه والدي و إخوتي. كان الماء عكرا و له طعم العفونة، لكنه ماء. شربت أمي و إخوتي الصغار جرعات قليلة أولا، و بقي شيء منه لوالدي و لي و لإخوتي الكبار

فجأة هجمت علي امرأة عطشى، كانت تتسول رشفة أو جرعة ماء، و عندها شاهدت قميصي المبتل، ارتمت علي ممسكة بأطراف القميص لتمتص منه عصارته أو ما علق به من ماء. راح البعض يقتلع جذور النباتات بحثا عن رطوبة فيها

بأم عيني شاهدت في ذلك اليوم جثثا لأطفال و مسنين ماتوا عطشا، غطاها الأقرباء في تلك الطريق الوعرة بالقش و بقايا أغصان يابسة، و تابعوا المسير. أما الأطفال التائهون عن أهلهم، فتلك مصيبة أخرى. و قبل مغيب الشمس، رأيت رجلا من عائلة “هارون” ، الرجل نفسه الذي كان مسؤولا طيلة أربعين عاما عن توزيع الماء في مدينة اللد، كان يصرخ متألما من شدة العطش و الإرهاق. سمعته يصيح في الناس: يا ناس! لقد أسقيتكم أربعين عاما، فليسقني أحدكم اليوم رشفة ماء واحدة

بعد المغيب كنا، والدي و إخوتي و أخواتي، أوائل من وصل إلى مشارف قرية نعلين في قضاء مدينة رام الله، فهب أهل القرية بكرمهم الفطري لإنقاذنا بتقديم الماء و الخبز، و بعض الدواب المتيسرة لنقل العجزة و المرضى و الحوامل. و في تلك الليلة نمنا تحت أشجار الزيتون، مفترشين الأرض و ملتحفين السماء

Originally posted on Tuesday, May 23, 2006  on http://oeliwat.jeeran.com/archive/2006/5/52408.html

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s