Book Review: زمن الخيول البيضاء

أرض يعرف فيها الناس الخيل كما يعرفون أبناءهم، أرض تعرف أهلها ويعرفونها

هكذا تبدو فلسطين في أول الحكاية، إذ يصورها الكاتب مستنداً إلى روايات من عاشوا في تلك الفترة وعاصروا ما فيها من أحداث وعادات قد تكون جديدة على كثيرين منا، فكثير مما كنت أسمعه وأشاهده عن الحياة في فلسطين في بدايات القرن العشرين يتحدث عن ظلم الناس لبعضهم وظلم المرأة وما إلى ذلك، لكن في “زمن الخيول البيضاء: يعرض إبراهيم نصر الله جوانب أخرى من حياة الفلسطينيين، حيث كانت المرأة تحظى بمكانة قد تفتقدها في بعض مجتمعاتنا المعاصرة، ورغم وجود بعض الناس الذين غلبهم الجشع والطمع في المنصب إلا إن الطابع العام للمجتمع كان يتسم بالمودة والتراحم بين الناس. م

هكذا كانت بداية الحكاية، ولو عرف القارىء نهايتها فقد يصعب عليه الربط بينهما، فكيف حدث ما حدث؟ وكيف تتحول قرية من ملاذ هادىء تجري فيه الخيول بحرية  إلى محرقة يطير فيها الحمام بأجنحة محترقة؟ قد يكون الربط المباشر صعباً، إلا أن تسلسل الأحداث في الرواية يجعل الأمر يبدو منطقياً أكثر، روائياً على الأقل، فكلما توغلت في الرواية شعرت أكثر بلامنطقية الأحداث رغم واقعيتها، فكيف يقتلع شعب من أرض ولدوا فيها وعاشوا فيها لأجل أشخاص لا يعرفون عن الأرض أكثر من اسمها؟ وكيف تعذب قرية بكاملها بسبب رصاصة لم يطلقوها ولم تصب أحداً بينما يحظى قتلتهم بحماية وحصانة كاملتين؟

وكأن الكاتب يريد أن يقول: هذا ما كان لدينا، وهكذا فقدناه! كأنه يريد أن يشعرك بمرارة الظلم الذي تعرض له أهل فلسطين الذين قتلوا واقتلعوا من أرضهم، ليس بقصائد أو عبارات رنانة أو مشاهد ميلودرامية، بل بسرد واقعي يجعلك جزءاً من التجربة، وكأنك تعيش معهم، تشرب قهوتهم وتحضر أعراسهم وتمتطي خيولهم، وترافق الثوار في الجبال وتدفن معهم شهداءهم وفي النهاية تجد نفسك واقفاً معهم تتأمل بيوتهم وهي تحترق، والفرق الوحيد بينك وبينهم هو أنهم كانوا سائرين إلى المجهول، أما أنت فتعرف، ولو جزئياً، ما ينتظرهم في الأعوام القادمة

من جهة أخرى يقدم الكاتب معلومات تفصيلية مأخوذة من شهود عيان عاصروا تلك الفترة تشكل مصدر توعية مهم حول تاريخ القضية الفلسطينية وضياع فلسطين الذي كان النتيجة النهائية لسذاجة السياسة العربية وجشع بعض العرب المتواطئين مع الإنجليز والصهاينة  خاصة الزعماء المدعون للوطنية، وبالطبع دهاء بريطانيا ودعمها الصارخ للصهاينة الذين لم يترددوا في سحق كل من يقف في طريقهم حتى البريطانيون

لكن، أليس هذا هو نفس السيناريو الذي نعيشه الآن؟ زعامات عربية متواطئة مع العدو وآخرون يصدقون كل ما تقدمه لهم الدول الغربية من وعود بالسلام، ودول غربية تدعم الكيان الصهيوني بكل وقاحة متعامية عن كل أفعاله، وصهاينة يعدون نفسهم فوق القانون ويرتكبون جرائم قل ما أتى التاريخ بمثلها دون أن يعملوا حساباً لأحد!

هل تغير شيء؟

مما لفت انتباهي في الرواية ملاحظة هامشية تقول: “كان الصهاينة قد شرعوا باستخدام طرق جديدة لقمع الثورة الفلسطينية تضمنت تفجير المقاهي بالقنابل وزرع ألغام موقوتة في الأسواق المكتظة بالفلسطينيين” طبعاً تفجير المقاهي والأسواق معروف الآن بأنه أعمال “إرهابية” يقوم بها العرب، لكن ها هو التاريخ يقول إن الصهاينة هم من بدؤوا بها، ليس للدفاع عن أنفسهم بل لقمع من يدافعون عن أنفسهم وأراضيهم

ومن الأشياء الأخرى التي لفتت انتباهي ما يسرده أحد الشهود حول الحرب العربية الإسرائيلية وجيوش الإنقاذ العربية وخديعة إنجلترا للعرب، إذ قال وهو يصف هجوم المستوطنين اليهود على قريته ليلاً وأهل القرية نائمون: “فاجأوا الناس نائمين، وكنا نعتقد أننا في حماية جيش الإنقاذ ، لكن الحق علينا يا عمي، فنحن ننسى، الله كم ننسى! يا عيبنا كم ننسى! كيف نسينا أنهم خدعونا عام الـ36؟ كيف؟ كيف ننسى؟ أرسلوا لنا جيوشاً صنعها الإنجليز ويقودها الإنجليز لنقاتل الإنجليز واليهود الذين يحميهم الإنجليز، كيف صدقنا؟

زمن الخيول البيضاء مضى، لكن الحكاية لا تزال مستمرة، لم تتوقف يوماً

4 responses

  1. Review رائع حقًا

    الرواية كئيبة لا جدال, و تبدو كئابتها ليس في أحداثها, و لكن في معرفتك بعبثية جميع محاولاتهم .. أن النهاية محتومة ضدهم مهما انتصروا و مهما حلموا ” تشاركها في هذا رواية ثلاثية غرناطة ”

    أشعر و كأنما تخصصنا في إضاعة الأشياء و النواح عليها فيما نحاول بائسين أن نستعيدها فيما بعد

  2. هذه الرواية هي اروع ما قرأت على الإطلاق
    أعطاها كاتبها حقها كاملاً
    من العمل عليها فـ25 عاما من البحث والعمل
    عليها كان كفيلا بجعلها رائعة تقول
    الحقيقة دون تخيل او رسم وهمي لحلم
    ضائع
    العلاقة بالخيل بالأرض.. تجعلك تحس بقيمة المفقود
    في القضية الفلسطينية رغم كل الاعتبارات الدينية والطوطنية
    لكن ثمة ما هو إنساني..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s