رسالة إلى البرزخ… 2

الساعة 3:32 صباحاً

صباح الخير يا ستي…0

تذكرتك امبارح، بعرف إني مقصرة معك، يمكن حتى لسا مش حاسة إنك رحتي. بتصدقي؟ أول مرة رحت عند بيت عمو موسى بعد ما توفيتي دخلت أدور عليكِ… نسيت!على كل حال، شو الفرق؟ ما حتى وإنت عايشة كنت مقصرة معك. بتتذكري هداك التلفون؟ يا رب ما تكوني بتتذكريه لأني أنا بتذكره منيح. يومها حكيت معك في العيد أو قبل العيد مش عارفة، حكيتلك إني بدي أحكي أعيّد عليكِ لأني مشغولة ومش رح أقدر آجي أشوفك بالعيد. كانت مكالمة خالية من أي عاطفة، حكيت معك كإني بحكي من باب الواجب عشان أتخلص من الشعور بالذنب، حتى إنت بيّن من صوتك إنك مستغربة، كإنك بدك تحكي: مالها هاي شو عم بتخبص؟ آى يا تيتا كنت بخبص، وأنا آسفة، مش عارفة كيف كنت بفكر

يا ريت بتقدري تردي علي، في شغلة نفسي أسألك إياها، نفسي أعرفها. شفتي جدو أحمد؟ لما مات وراح عنك كنتِ بنت صغيرة في أول العشرينات، عشتِ بدونه حوالي ستين سنة، نفسي أعرف شو حكيتوا لما التقيتوا… عاتبتيه؟ حكيتيله أخبار اولاده ولا كان بعرفها أصلا؟ طيب حكيتيله إنكم قبل كم سنة بعتوا أرضكم بفلسطين لواحد فلسطيني أحسن ما يستولوا عليها اليهود؟ بتذكر هديك الأيام كيف كنا نتابع أخبار الأرض وبيع الأرض، أنا هلأ بس استوعبت إنه احنا كان عنا فعلاً أرض بفلسطين، في القدس، وبعناها! قبيحة كلمة بعناها… بس شو نعمل يعني، نترك اليهود ياخدوها واحنا بنستنى حق العودة؟ شايفتلك إياها مطوله، ويمكن لا إحنا ولا اولادنا نرجع عليها، بس في نفس الوقت مش رح نتركهم يتهنوا فيها، رح نضل واقفين زي الشوكة في زورهم إن شاء الله، ما هو مش معقول تيجي تحتل بلد وتشرد أهلها وتتوقع إنك تعيش عيشة طبيعية، صارلهم أكتر من ستين سنة مش كاينين يفهموا هاي النقطة، أو فاهمين بس متيسين، كذبوا الكذبة وصدقوها

طيب شو كمان حكيتِ إنت وجدي؟ – جدي اللي أنا ما عرفته لأنه مات قبل ما أنولد بأكتر من تلاتين سنة – شو حكيتوا؟ يمكن ضحكتوا لما تذكرتوا كيف اشترطتِ عليه في عقد الزواج ما يترك فلسطين أكتر من سنة، فعلاً هو ما تركها، هواندفن فيها، بس إنت اللي تركتيها! يا الله ما أحلاكِ لما كنت تتذكري أيامك هناك، كنت تضحكي من قلبك وتدمعي ما بعرف من الضحك ولا لسبب تاني. بتذكر كيف كنتِ تحكيلنا عن بابا وهو صغير كيف كنت تحبيه كتير عشان كان كلبوظ وبضحّك وكيف كان يوقف على سطح البيت يستنى حماره وهو جاي من بعيد ويصير ينط ويصيح بس يشوفه وإنت تنجني وتكيفي عليه. قد ما حكيتولنا عن القدس وأيام القدس شهيتونا إياها بزيادة. وين في غير القدس ممكن تسمعي قصة عن ولد صغير فلتت فيه بريكات البسكليت على نزلة وطار ووقع في مقبرة اليهود؟ بتذكر هاي القصة وبسأل حالي: معقول مقبرة اليهود اللي وقع فيها أبوي قبل حوالي خمسين سنة أو أكتر هي نفسها المقبرة اللي قرأت عنها اليوم في خبر دفن الحاخام اليهودي اللي عمل أزمة سير في القدس؟ ما بعرف، وما بهمني… ينحرقوا كلهم العايشين والميتين

بتعرفي إنك لما توفيتي أنا ما كنت في الأردن، كنت في أبو ظبي عند هلا، ما ودعناكي، بس أحكيلك سر وما تزعلي مني؟ أنا بصراحة ارتحت إني ما حضرت العزا. آسفة. بس بعد ما مات جدو ابراهيم الله يرحمه صار التعامل مع الموت والجنازات أصعب بالنسبة إلي. قبل ما يموت ما كنت أعرف شو يعني يموت حدا قريب علي، كنت في أعماق نفسي، وآسفة على اللي بدي أحكيه، كنت حابة أعرف كيف بكون الشعور. بس لما جربت شو يعني موت وشو يعني ييجوا الناس يعزوكِ بشخص قريب وشو يعني يختفي من حياتك شخص متعوده عليه وبتحبيه اختلف الموضوع، اختلف كتير.

وقتها لما رجعت من السفر حكيت مع رانيا، كانت في المستشفى عشان تطلعلك شهادة الوفاة، صارت تبكي عالتلفون، ما عرفت شو أحكي، التخمت، ما بعرف شو أعمل في هيك مواقف، بس تخيلت قديش صعب الموقف، لما يتحول إنسان بنحبه لورقة رسمية يتسجل فيها إنه حياته عالأرض انتهت. أو لما فتحوا خزانتك عشان يشوفوا شو فيها وشو بدهم يعملوا فيه، يومها حكوا مع بابا عشان إذا بحب ييجي ياخد تذكار منك، سكر الخط بوجههم وما استنى يسمع الباقي. حتى إمي سألته شو ماله ما قبل يحكي. كلنا بنعرف إنه الموت حق وما حدا رح يخلّد في الدنيا، بس فعلياً وعملياً، ما حدا مستوعب إنه رح يموت، وإنه اللي بحبهم راح يموتوا

 شايفة؟ عشان هيك ارتحت عشاني ما حضرت العزا ولا شفتك قبل ما تموتي، خليني أتذكرك زي ما بعرفك. حكولي إنهم جابوكي عالبيت بالكفن الأبيض قبل ما تطلعي عالدفن، ما بعرف إذا كنت رح أتحمل المنظر، سامحيني مرة تانية

عم بكتشف إنه في كتير أشياء لازم أتأسفلك عليها. أنا آسفة إنا فهمناكي غلط. كنا نفكرك بتاخدي أشياء منا عشان تضبيها بالخزانة، بس ما عرفنا الحقيقة إلا بعد ما توفيتي. حكتلي هيا شو صار بالعزا، إجت وحدة – نسيت اسمها –  بس ما حدا بعرفها وإنت كنت تطلبي تشوفيها قبل ما تموتي وما حدا عرف مين هي ولا عرفوا يلاقوها ويجيبولك إياها. لما إجت عالعزا قعدوا معها وسألوها مين بتكون، طلعت وحدة كانت محتاجة وكنت تساعديها هي واولادها بالسر، تاخدي أشياء وأكل من البيت وتوديلهم إياها بدون ما حدا يعرف، وأكتر إشي بضحك إنك كنت تروحي تتباهي بحفيداتك وإنهم بروحوا عالجامعة مع إنك كنت تشلي أملهم مرات… واحنا اللي كنا مفكرينك أكبر همك تجوزينا عشان ما “نبور”! طلعتي تقدمية واحنا مش عارفين

كنت هاكلة همنا دايماً. كنت هاكلة هيا عشان مشكلتها مع الخلفة وبتعرفي قديش تعذبت بسبب هالموضوع، عرفتِ إنها طلعت حامل بعد ما توفيتي؟ هيك طبيعي بدون أي تدخل طبي، وجابت ولد متل القمر ما شاء الله قبل جو البيت قلب. كنت هاكلة هم رانيا اللي كان عرسها المفروض في نفس الفترة اللي مرضتِ وتوفيتي فيها، ووصيتيها إنه حتى لو توفيتي تعمل العرس وما تأجله. أجلّوه شوي طبعاً، بس ما قدروا يأجلوه كتير، وكان الموضوع كتير صعب عليهم، كيف بدهم يعملوا عرس ويفرحوا وهم لسا زعلانين عليكِ؟ حتى قبل العرس بيوم طلعوا بنات عمي بالسيارة وحطوا أغاني عشان يحاولوا يطلعوا من الحالة شوي شوي، صاروا يسمعوا الأغاني ويبكوا، بس بالآخر صاروا يضحكوا من تفاهة الأغاني. كان أول العرس دراما شوي بس لا تسأليني كيف مشي العرس وكان حلو فعلاً

بتعرفي ليش عم بكتبلك في هالوقت؟ متحمسة كتير ومش عارفة أنام، في مشروع في راسي وكنت عم بفكر فيه، والتفكير جرني لعندك… قلت أقوم أكتب! على كل حال ما بعرف إذا رح ينجح أو لأ بس إن شاء الله رح أحاول أضبط حالي في الحالتين، ما أنغر إذا نجح وما أكتئب ويصيبني الإحباط إذا فشل. إنت جزء منه على فكرة، اعتبريه جزء من الاعتذار عن كل شي، عن أي شي، أو على الأقل اعتبريني حاول

4 responses

  1. انا زرت ستك بالمستشفى قبل ما تتوفى بيومين… الله يرحمها>>> ووصتني على امي (يتكون خالتها) …

  2. الله يرحمها ويرحم جميع أموات المسلمين
    كسرتي قلبي كسر وأنا عم بقرأ
    نفس الموضوع تقريبا صار معنا السنة الماضية ستي كانت حاملة هم كل العيلة عا كتافها، ما كانت تنام الا وهية قارئة أدعية لكل العيلة
    كان كل حلمها تشوفني متزوج ومخلفلها ولد
    ما بعرف ليش بدها مني ولد بس كان حبها إنها تشوفني مخلف ولد
    وكان همها إني أكون دكتور صيدلي وفعلا تخرجت دكتور صيدلي وكان فرحها يوم ما تخرجت مالي الدنيا كلها، ما كنت أفهم ليش وشو هالشغلة العظيمة اللي سويتها بس بتذكر إنها أخدت صورة تخرجي وحطتها عندها مع البرواز في نص الصالون وراحت وزعت كنافة للكل

    كانت تحب أبوي كتير ودايما تقول انتوا يا ولادة نبيل غير، كنت ما افهم قصدها بس كانت دايما ترفع من معنوياتنا

    بعد ما ماتت إتصل قريب النا من قريتنا كانت أول مرة أصلا بسمع بوجوده وطلع رضيع لأبوي، أول مرة بعرف إنه أبوي إله رضيع
    كانت بتبعتله مصاري شهريا لحسابه ونحنا مش عارفين
    الله يرحمك يا تيتا والله ما كنا داريين شو اللي بدور حوالينا إلا بعد ما فقدناكي

  3. تعرفي يا علا من لما وصلني الإدراج على الإيميل و أنا بأجّل القراءة

    الله يرحمها و يحسن إليها

    كلنا مقصرين بس دائما ً فيه مجال/وقت للتعويض حتى بحالة الموت!

    إدعيلها ، إدعيلها كثير


    الله يوفقك باللي ببالك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s