توجيهات حكومية

وفي ليلة من ليالي الربيع، حدث أمر فظيع، إذ كان سلمان جالساً في الدار، بعد أن فقد العزيمة والإصرار، فقد نخلت البطالة عظامه، وأنحلت قوامه، وأمه التي كانت تدعو له بظهر الغيب، صارت تدعو عليه أمامه…0

وبينما هو يشاهد التلفاز، وعجوزه ترمقه بنظرات اشمئزاز، دق الباب دقة غريبة، فانتاب صاحبنا شيء من الريبة، وأصابه خوف ووجل، كمن يشعر بدنو الأجل، إلا أن الوالدة وكزته عند الكوع، ونهرته بحدة: “افتح الباب يا جربوع، لعله فقير نال منه الجوع، أو صاحب البيت يريد أجرة الأسبوع، أو بشير جاء بخبر سار بعد دعاء مسموع”…0

ولما فتح الباب بشكل خجول، أصابه شيء من الذهول، فلم يجد سوى ورقة مختومة، تبدو كرسالة ملغومة، ما أن فتحها حتى صاح: “يمّا! انظري بماذا جاءت البومة، إنه فرمان من الحكومة”… فانطلق لسانها الطويل بالسباب، بلا تشفير ولا اقتضاب، وصاحت غاضبة: “إذاً ادخل وأغلق الباب، يا ما جاب لأمه الغراب”0

ولما راح عنها الغضب، وانطفأ في عينيها اللهب، أشارت إليه بالبنان، وقالت: “عليك الأمان”، فنهض واقفاً وراح يقرأ الفرمان…0

“أبناءنا المواطنين الأبرار، لدينا خبر سيىء وخبر آخر سار، إذ أنه نتيجة إسراف غير مقصود، وفساد تجاوز الحدود، ونظام اقتصادي مهدود، ونفاد مخزوننا من الوعود، قد وصلنا إلى طريق مسدود. وإننا قد اجتمعنا وتناقشنا، وتصارخنا وتناوشنا، وبلغت أخبارنا الجبال والوديان، وأصبحنا أضحوكة للعربان، إلا أن كل حساباتنا المحسوبة، أفضت إلى موازنة معطوبة، لا لأننا نحلب بقرة محلوبة، ولا بسبب الأموال المسلوبة، وإنما لسبب بسيط: هذه الموازنة مقدرة ومكتوبة…”0

هنا قاطعته أمه باستياء: “فعلاً قد مات من به حياء، تباً لك من بين الأبناء!”، فقام سلمان  محتجاً: “وما دخلي أنا بهذا الهراء، أَترينني رئيس الوزراء؟” فنظرت إليه شزراً، وأعطته أمراً: “أكمل القراءة يا مغضوب، علّني أراك في سلحوب”0

وبلا مزيد من الإطالة، أكمل سلمان قراءة الرسالة:0

“وإننا كما تعلمون أيها الأحرار، نواجه بعض التحديات والأخطار… فلما قررنا التعامي عن الفاسدين، وتأمين الرفاهية للنواب إلى يوم الدين، وعدم الاستثمار في التعدين، ولما عجزنا أمام الاحتكار، ولم نستطع ردع التجار، قررنا أيها المواطنون الأخيار، أن نرفع عليكم الأسعار”0

“أ“ريته نار وسعار”، صاحت العجوز بصوت هدار.0

أخذ سلمان أنفاساً عميقة، وأكمل قراءة الوثيقة…0

“وهكذا قررنا يا جماهيرنا الغفيرة، إجراء بعض التعديلات الصغيرة، لكننا نعدكم بأنها لن تمس الطبقات الفقيرة. فما حاجة الفقير إلى الكهرباء؟ سينام باكراً اختصاراً للعشاء، ويجد في العتمة مساحة للبكاء، وتتوطد علاقته برب السماء، إذ يلهج لسانه بالدعاء، على فلان وفلان وفلان، من دون ذكر أسماء… وكيلا تفكروا في الفرار، قد نرفع ضريبة المطار، فمن أراد الخروج مع السلامة، ولكن ليس قبل أن يدفع الغرامة، لا بدافع الجشع، ولا الاستغلال أو الطمع، وإنما لنعصرك حتى آخر قطرة، ثم تُسأل عن سر الكشرة، فتكون إجابتك سريعة ونزيهة، ويُقال إن الأردني سريع البديهة…”0

رفع سلمان حاجبيه، كأنه لا يصدق عينيه

“ومن هنا يا أبناء شعبنا الكرام، قررنا إحداث خُرم جديد في الحزام، فشدوه حتى تختلف الأضلاع، وعيشوا عيشة الضباع، على أمل تحسن الأوضاع”

تنهد سلمان بقرف، وكاد أن يسب الشرف، لولا أن جاء صوت أمه من الجوار: “هذا الخبر السيىء، فأين الخبر السار؟”0

لمعت عينا سلمان، وأعاد فتح البيان، فوجد في أسفله ملاحظة بخط دقيق، ظن أنها ستُذهب ما به من ضيق، لكن ما أن قرأها حتى هوى على الأرض كمن ضُرب بمنجنيق…0

“في الختام أيها الأحباء، نزف إليكم ما يسركم من أنباء، فمهما بلغ البلاء، وتكاثرت علينا الأعباء، وبلغ الزبد السماء، إلا أننا نعدكم فاطمئنوا: لن نرفع سعر الهواء”

قصص سابقة عن سلمان:0
نعي مواطن عاطل
إعلام الإخص

20 responses

  1. ذكرتيني بالمقامات البغدادية، اقسم بالله ضحكت من قلبي، سواء انتي كتبتيه او لا، شكرا كتير

  2. المقامات العلاييّة
    :))

    ضليت أبتسم تا وصلت ل
    ويجد في العتمة مساحة للبكاء

    بعدها جد حزنت
    و تذكرت -زي ما بتخيل معظمنا عنده أمثلة كمان- عائلات كاملة وضعها جد زي هيك!
    ما حيقرؤوا هالتدوينة و لا غيرها

    يمكن ما عندهم تلفزيون حتى! “آه ممكن! و فيه” – و الكل يلهث وراء لقمة اليوم
    اليوم فقط!
    😦


    أشكرك يا علا
    بتوقع حكيتلك إني السجع + الشعر القديم = لا أستسيغهما و لكن أنت كتاباتك استثناء لذيذ🙂

  3. راااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااائع جدا ومعبر عن نبض الشارع بقوة

  4. mashalla 3anek ya Ola jameel jedan ,Nada elle dalatni 3leha o ana jedan fa5ora eno ykon lessa 3nna ro7 el ketabe o enaqd beshakl motawazen.

    good luck

  5. اخت رجال والله يحميكي و يرحم البطن الي جابك , و عقبال ما يصير عنا شباب يحكي زي نوص بناتنا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s