رسالة إلى الملك

وضعها تحت الباب وذهب، فكان عليّ إيصال الأمانة، وما على الرسول إلى البلاغ

من مواطن يسمع ويرى ويعي، ولا يملك سوى هذا القلم يحمّله أوزاره ويسومه ألوان العذاب، إلى راعي الرعية والمسؤول والمحاسب الأول عنها دنيا وآخرة، حاكم البلاد الملك عبد الله الثاني بن الحسين، أما بعد…0

بداية اسمح لي بالإشارة إلى أنّ ما حملني إلى كتابة هذه الرسالة دافعان رئيسيان: اليأس والسذاجة، فأي مجنون يكتب رسالة لا يرجو أن يقرأها الشخص المقصود أو أن تصل إليه إلا إن كان بلغ به اليأس من الحال أن يكتب رسالة ويلقيها في البحر كمحاولة بائسة، كمحاولة للصق عجين على حائط لا أكثر، أو أن يكون تفاؤله مفرطاً حد السذاجة إذ يظن أن هذه الكلمات ستجد طريقها حتماً وبشكل ما إلى من أرسلت إليه ومن يُرجى أن يهمه الأمر، خاصة أنني لا أملك واسطة أو معارف في الأوساط الملكية ولم أملك ذلك يوماً، فأنا يا سيدي نفر واحد من شعب ينوف عن الـ6 ملايين إنساناً سيعيش معظمهم ويموتون خارج أسوار القصور…0

واسمح لي أيضاً باختصار عبارات التملق والمداهنة والثناء وما تفرع عن ذلك وتشعب، تجنباً للنفاق وتحرياً للحيادية ما استطعت إليها سبيلاً، كما أنني لا أكتب لك في حاجة شخصية، فلا حاجة شخصية لي عندك أو عند أحد من الخلق، وإن كانت أكبر همومي هي رفع سعر البنزين وقانون المستأجرين فإني وبعد أن كتبت وصرخت وعبّرت عن رأيي وأرعدت وأزبدت، وجدت ألا فائدة، فشتمت الفاسدين في سري، واحتسبت أمري عند الله، وحمدته أنّ الحكومة لا تطلع على السرائر وإلا لتحوّل البلد إلى سجن جماعي لمطيلي اللسان، ألسنة لن تفلح كل ماكينات “السينجر” في العالم بتقصيرها.0

ولمّا أتقنت كل فنون التغاضي والتعامي والتحايل على الذات للتعايش مع واقع حال لا أظنه سيتغير، بل وأكاد أجزم أن إحقاق الحق وانتشار العدل هنا سيكون من علامات الساعة إذ أراه عصياً على التحقيق إلا بنزول المسيح المنتظر. لكنني لا أخفيك سراً أنني كسائر البشر ما زلت أحتفظ ببقية خير كنت قد خبأتها لساعة حاجة. كما أنني لا أدعي الاطلاع على ما في قلوب الناس، لكنني سأوجه السؤال لك: هل ترضى بأن يكون ضمن أجهزتك الأمنية التي يفترض بها السهر على أمن وأمان المواطنين بلا تفرقة ولا تمييز، من تشبع قلبه بما لا يمكن تخيله من أنواع الاستبداد والعنجهية بحيث أجاز لنفسه استباحة المستضعفين من أبناء بلده؟

سيدي، نحن كمواطنين شعرنا بأنّ الظلم والجور الذي وقع على هؤلاء الأيتام مسّنا نحن شخصياً، فلا أظنك ستنتظر لحظة أو تدخر جهداً لفعل شيء حيال هذا الظلم كونك أنت من ستُسأل عنهم، كيلا تكون ممن يحملون أوزارهم وأوزاراً فوق أوزارهم. ولا أقصد فقط الاقتصاص لهم ممن استباح إنسانيتهم ولم تأخذه بهم شفقة ولا رحمة، كأنّهم عبء على أكتاف الدولة لا يستحقون الحياة، بل أعني أيضاً الاستجابة لمطالبهم، وهي على أهميتها لا تتعدى كونها مطالب أساسية لا يمكن لحر أن يحيا من دونها. موائد الرحمن التي تُقام كل عام لن تحل مشكلتهم، ولا كل المبادرات الهادفة إلى إطعامهم وتوفير قوت يومهم، فأنت إن أطعمت فتاة يتيمة اليوم فإنها ستجوع غداً، وستعود لامتهان الدعارة حين لا تجد طريقاً غيرها، وتجد نفسها منبوذة اجتماعياً بلا ذنب ولا خطأ ارتكبته.0

أما مجهولو النسب فهم من أخشى أن يصدق فيهم قول “أفسدنا عليهم دنياهم فأفسدوا علينا آخرتنا”. فبعد أن ظلمهم أهلهم أول مرة بارتكاب غلطة يغفرها الله ولا يغفرها المجتمع، ظلمتهم الحكومة مرة أخرى بأن وصمتهم بعار لم يكن لهم يد فيه، فأعطتهم أرقاماً وطنية “من القلة” تجعلهم عرضة للتفرقة والتمييز وتقف حاجزاً بينهم وبين ممارسة حياتهم بشكل طبيعي.

هؤلاء الأيتام لم يطلبوا سوى حياة كريمة لا يضطرون فيها إلى السؤال أو اللجوء إلى طريق الرذيلة للحصول على قوت يومهم، أو في بعض الحالات إنهاء حياتهم بأنفسهم ليرتاحوا ويريحوا الحكومة من وجودهم الذي يشعرهم بعجزها وفشلها. فإن كانت الموؤودة ستُسأل يوم القيامة بأي ذنب قُتلت، فلا بد أن تُسأل المنتحرة لأي سبب انتحرت، وممتهنة البغاء لأي غاية انحرفت، ومن امتهن السرقة والتسول بأي دافع امتهنها، وليسوا الوحيدين الذين سيُسألون عن ذلك.

في الختام وفي حال قرأت الرسالة، والتي لا أتوقع لها الوصول إلى أبعد من آخر الشارع، فلا أنتظر منك رداً، وإن وجدت أنه ما من شيء تفعله لهؤلاء الأيتام فتظاهر بأنك لم تقرأها، وبأنها لم تصل إليك، ولن يتغير شيء، سيعود كل لحياته، جزء من 6 ملايين جزء وقيل إنها تقارب الـ7 ملايين الآن، قد يختلفون في الشكل والأصل والنسب، لكن مصيرهم واحد، وسيُسألون.0

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s