طيراً أبابيل

مضحك جداً، و محزن جداً، اعتقاد بعض الناس أن الإنسان المؤمن هو إنسان ساذج يعتقد أنه يملك عصا سحرية بمجرد أن يحركها يتغير كل شيء للأفضل. ومحزن جداً أن يأتي شخص مثقف ومتعلم وربما يظن نفسه أذكى من أن يؤمن بذات إلهية تتحكم في الكون، فيسخر من الناس في المناطق المنكوبة والواقعة تحت الحرب حين يدعون الله أن يفرج كربهم، من منطلق أنهم إذا كانوا مؤمنين بالله فلماذا لا ينهي أزمتهم بمجرد أن رفعوا أكفهم بالدعاء؟

والمضحك والمحزن أكثر أن يعتقد أحدهم أن المؤمن شخص ينتظر معجزة خارقة تنهي كل مشاكل الكون، طيراً أبابيل، مع العلم إن استخدام هذا التشبيه بحد ذاته ينم عن جهل بطبيعة الإيمان الذي يسخرون منه بلا علم. كيف؟

كلنا نعرف أن أول كلمة في رسالة الإسلام، خاتمة الرسالات السماوية، هي “اقرأ”. “اقرأ” يعني: انتهى زمن المعجزات وبدأ عصر العلم والعمل. الطير الأبابيل كانت آخر معجزة كبيرة في التاريخ غيرت مسار الأحداث وكانت قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، أي معجزات أتت بعدها مثل الإسراء والمعراج كانت للتثبيت وليس لتغيير الأحداث. الرسالة واضحة: إن أخذتم بالأسباب وتوكلتم على الله نصركم الله، وهذا هو الإيمان، بمعنى آخر لا تظنوا |أن الناس في سوريا حين يدعون الله يكونون بانتظار طير أبابيل يهلك بها الله بشار وجنوده، وإن ظننت ذلك فلا ساذج غيرك. ومن يقرأ في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة الإسلام فيما بعد فسيجد النصر وسيجد الهزيمة وسيجد التجارب البشرية بكل أنواعها، لم يكن المسلمون قوماً جالسين ليل نهار يدعون الله أن يؤيدهم بالمعجزات

الإيمان ليس سذاجة أو بساطة، بل هو ما يدل على أن الإنسان استطاع الارتقاء بعقله إلى ما وراء حدود القدرات الإنسانية فمل يعد تفكيره محدوداً بالمخلوقات وقوانين الكون بل تجاوزها ليؤمن بالخالق، بذات إلهية متنزهة عن كل صفات البشر والمادة ولا تخضع لقوانين الكون المعروفة وبالتالي لا يمكن قياسها بمقاييس البشر،  فتكون القاعدة: كُلُّ ما خطرَ ببالك ، فإنَّ الله تعالى بخلاف ذلك. الإيمان هو القدرة على الارتقاء بالعقل بحيث لا يقف عند ظواهر الأمور، فلا يقول: لو كان هناك إله لما كانت هناك كوارث طبيعية في الكون، بل يدرك أن لكل ما يحدث في الكون حكمة وإن لم ندركها في حينها. الإيمان هو قدرة الإنسان على الاعتراف بمسؤوليته كمخلوق يتحمل مسؤولية في هذا الكون مع وجود أمور خارجة عن سيطرته وخضوعه للقدرة الإلهية. بعض الناس يغالون في الأمر فيقولون إن الإنسان مسير لا يد له في شيء، والبعض الآخر لا يستطيع استيعاب مسؤوليته في الأرض كإنسان إلا إن اعتبر نفسه أعظم قوة عليها فينكر وجود قوة أعظم منه تتحكم بالكون. الإيمان هو الوسطية بينهما

والإيمان يعني أن تؤمن بعدل الله وحكمته حتى في أصغر أمور حياتك وألا تغتر بإيمانك وبعملك الصالح، كأن تجد أحياناً من يقول: “أنا أصلي وأصوم ولا أرتكب الذنوب الكبيرة، فلماذا يحدث لي كذا وكذا وغيري ممن هم أسوأ مني ينالون ما يريدون في الحياة؟” متناسياً أن هذه كلها جزء من تجارب الحياة، وأن وراء كل حدث سبباً وحكمة، وأن مقارنة نفسك بغيرك قاصرة لأن الله وحده هو المطلع على القلوب والمطلع على جميع أعمال البشر، وأنك بمجرد أن تشكك في عدل الله أو تتذمر مشيراً إلى أن الله يكرهك بلا سبب أو يظلمك  – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- فعليك إعادة النظر في إيمانك الذي اغتررت به

الإيمان يعني أن تحب الله وتحسن الظن به، وتعرف أنه يحبك، حتى وأنت مثقل بالذنوب

الإيمان يعني أن تجتهد في اختيار الصواب، وتثق باختيار الله لك

الإيمان هو ما وقر في القلب، وصدقه العمل

الإيمان طمأنينة للنفس

الإيمان ها هنا

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s