معتقل سياسي جداً

وفي أحد أيام الخريف، وكأي مواطن شريف، فتح سلمان التلفاز لمشاهدة برنامج خفيف. وبعد جولة سريعة لم يجد فيها إلا المسلسلات الرقيعة، قرر أن أهون البلية مشاهدة الأخبار المحلية، ولم يدرك عمق الورطة إلا حين شعر بأعراض الجلطة، فقد رأى في الموجز المختصر ما لا تطيقه عقول البشر، فمن تقييد الحريات إلى رفع أسعار التنكات، ومن هتافات حماسية إلى اعتقالات سياسية، ثم إلى أناس على الحديدة، يدعون للحكومة الرشيدة، ويهتفون لقائد البلاد، وينددون بالأوغاد، الذين يدّعون وجود الفساد، ويشيدون بالأمن والأمان والقبض على سارق اللبان، فمهما صغر الجرم لا بد من العقاب، أما أصحاب الكبائر فجزاؤهم يوم الحساب. وقبل اختتام النشرة، قال المذيع ذو الكشرة: هذا يا سادة ملخص الأحوال، ومن لم يعجبه الوضع فلينظر إلى الصومال…0

فلما ضاق به الصدر، وأحس بخطورة الأمر، استجمع ما به من دافع، وقرر النزول إلى الشارع، فاستعان بالرحمن واتجه نحو الميدان، ولم يأبه بتهديدات التنخيل، أو بالنفي والترحيل، فما الحياة بذل إلا زفير وشهيق، والبلل آخر ما يخشاه الغريق

وانتهى به المطاف في ساحة مترامية الأطراف، فرأى من العجب ما يثير في النفس التعب، إذ رأى جموعاً تحمل اللافتات، وتطلق الهتافات، لضمان حق الفقير، وتحرير الأسير، وحماية اليتيم، ومحاسبة الزعيم، وكبح الفساد، وتطهير البلاد، وتحرير المطبوعات، وإعادة المسلوبات، وتطرح أسئلة ممنوعة، حول حقوق مشروعة: “إن كنا نعيش على الفتات، فأين ذهب الفوسفات؟”0

وعلى الجانب الآخر كانت هناك جموع راقصة، لا تشتكي أي حقوق ناقصة، بل يعلو صوتها بالنشيد، وتقول أنتم الأسياد ونحن العبيد، وتهتف باسم الحكومة، وتمتدح السياسات المشؤومة، كأنها عين الصواب، ومتن الكتاب، ثم ترتفع أصواتهم بالسباب، واصفين أندادهم بالكلاب، المدسوسين من الأغراب، ليحيلوا الوطن إلى خراب…0

أصاب سلمان الجمود، وخلال لحظات كُبّل بالقيود، فراح ينظر عن اليسار واليمين، ليجد عشرات المعتقلين، أما عن المطبلين والمزمرين، فبعد انتهاء وظيفتهم، ولوا مدبرين…0

وبعد كثير من التحقيق، وبعض التفصيل والتدقيق، تقرر تحويل القضية إلى المحكمة العسكرية. ومع أنه لا يعرف السبب، وقف سلمان أمام القاضي بأدب، فنظر إليه ملياً، وسأله سؤالًا جلياً:0

القاضي: اسمك؟

سلمان: نسيته لكثرة ما نعتوني به من أوصاف: فأنا عدو الوحدة الوطنية، وربيب الإمبريالية، وعديم الانتماء، والجدير بالازدراء، وعميل الأعداء، ومن يلعنه أهل الأرض وأهل السماء

القاضي: عمرك؟

سلمان: لم أعد أحسب، فكل أيامي متشابهة

القاضي: من محاميك؟

سلمان: أمثّل نفسي

القاضي: وهل تعرف حقوقك؟

سلمان: والله لو كانت هذه حقوقاً لأغنت عنا اليوم. طلقتها بالثلاثة

القاضي: وتهمتك؟

سلمان: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل

القاضي: ولماذا جلبوك هنا؟

سلمان: يا حضرة القاضي، إني رجل أصابه الضيق، وهمت على وجهي في الطريق، فطرقت جميع الأبواب،  من الوزراء إلى النواب، ورحت أطرح السؤال تلو السؤال، فما كان جوابهم إلا: “دوام الحال من المحال، فاصبر صبر الجبال”، ولما نفد صبري، قررت البوح بما في صدري، فلم يلقَ ذلك الاستحسان، واتهموني بالعصيان، وبإثارة الفتن، والتآمر على الوطن، وإني والله ما كنت خواناً، ولا ظلمت إنساناً، ولم أحمل يوماً سلاحاً، ولم أكن سفاحاً، ولم أتعرض لأحد بالضرب، فلماذا أحاكم كمجرم حرب؟

القاضي: أعطني خلاصة المضمون، ورائي غيرك عشرون

سلمان: يا سيدي القاضي، كل ذنبي أني قلت لهم: كفرت بظلمكم، فقالوا: قد صبأت!0

أصاب القاضي الوجوم، وركبته الهموم، وراح يقلب أوراقه ورقة ورقة، وينظر إلى سلمان بشفقة، وحين استنفد جميع الحلول، قال بصوت خجول:0

“كلامك نابع من القلب، ولا أجد لك من ذنب، ولا أرى اعتقالك إلا ضرباً من الجهل، فبئس الأمة التي تعاقب من يطالب بالعدل، لكن للحفاظ على هيبة الدولة، لا بد من صولة وجولة، وإني راجعت كل التهم من ذم وقدح وتهميش، ومن تهم محاكم التفتيش، فلم أجد منها ما يلائم أفعالك أو يطابق أقوالك،  ولو كنا في عصور الظلام لوجدت لك تهمة على قد المقام، لكن سامحني يا بني، فلا أجد لك تهمة إلا تقويض النظام!”0

7 responses

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s