رقابة واستحمار

استيقظ الشعب الأردني ذات صباح منبهراً كعادته من قدرة حكومته المتجددة على الإبهار؛ حيث كانت الحكومة قد بدأت خطتها العبقرية بحجب المواقع، بعد أن كانت قد حشدت تأييد “الأغلبية الصامتة” بإشاعة أن المواقع التي ستحجب هي المواقع الإباحية، ليُفاجأ المواطن الأردني النزيه المحافظ “يا غافل إلك الله” بأن بعض المواقع الإخبارية التي كان يعتمد عليها لمعرفة ما يدور من حوله في العالم استبدلت برسالة تقول إن الموقع المطلوب لم يعد متاحاً، ليكتشف أن تعريف كلمة “إباحية” يختلف من شخص لآخر

طبعاً لا داعي للخوض في الأسباب التي تجعل قراراً من هذا النوع شهادة غباء أو استغباء من الدرجة الفاخرة، لكن لا يسعك إلا افتراض أن حكومتنا حالها حال التلفزيون الأردني الذي يمثلها ما زالت تعيش في عصر ما قبل الحداثة وما زالت لا تدرك أنه في عصرنا هذا الذي نعيش لا يمكنك أن تحجب أي شيء عن أي شخص، وأن رؤوس الحكومة وصانعي القرار فيها لم يسمعوا قط بمصطلحات مثل “بروكسي” أو “فاكهة محرمة”0

إنما أنك حين تنظر إلى الأمر من زاوية أخرى تراه في ضوء مختلف، أقصد بذلك نوعية المواقع المحجوبة. فحين ترى الحكومة تحجب مواقع تقدم قضايا مجتمعية وثقافية وسياسية بشكل موضوعي وتفتح المجال للنقاش بين القراء، فيما تسمح باستمرار المواقع التي تقدم أخباراً على شاكلة “ثري قطري يشتري أغلى جوز جرابات في العالم” أو “هيفاء وهبي تصرح مصابة بنزلة برد”، أو مواقع الصحف الموالية للسياسات الحكومية أو “أبواق الدولة” كما يحلو للبعض تسميتها لأسباب وجيهة، حين ترى هذا التباين في اختيار المواقع المحجوبة تفكر: هل تحاول الحكومة تحويل الشعب الأردني إلى شعب سطحي وغبي؟ هل تحاول حكومتنا أن تستحمرنا؟

قد تبدو هذه نظرية منطقية بالرجوع إلى المعطيات الأولية: حكومة تفتقر إلى الذكاء وتعيش في العصر الحجري لا يمكنها السيطرة على شعب يفوقها ذكاءً، وعملاً بمبدأ: “إن لم تستطع أن تبني أطول عمارة في المنطقة فقم بتدمير كل الأبنية التي حولك” ارتأت الحكومة أن تسلط على أدمغة المواطنين مواقع الصحافة التجارية التي جل همها جمع اللايكات على الفيسبوك والمتابعين على تويتر، وبهذا تصبح اهتمامات المواطنين وأحاديثهم الصباحية مركزة على “الشواذ” الذين يغزون المهرجانات الغنائية بدل أن يتحدثوا عن اللصوص الذين يغزون الدوائر الحكومية. لكن تبقى هذه مجرد فرضية، في النهاية قد لا تعتقد حكومتنا أننا من الذكاء بحيث عليها استغباؤنا بهذه الطريقة، أو قد لا تكون هي تتمتع بهذا القدر من الدهاء لتنفيذ خطة من هذا النوع

العالم يسابق الزمن ونحن نعود بخطوات ثابتة إلى 1984

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s