إلى بعوضة

لما يزيد عن ثمانية وعشرين عاماً كنا مثالاً يحتذى به للتعايش على هذه الأرض. فبينما كنت لا أتعرض لك أو لأخواتك بأذى وأتركك تصولين وتجولين على هواك، كنت تتركينني أنام ملء جفوني، ولا تزعجينني بهرش أو طنين ولا تحاولين أخذ نصيب لك من دمي الذي أحسبك ترفعت عنه لمرارة وجدتها فيه، أو لثخونة أو ربما كرم أخلاق منك إذ أدركت أن مخزون الدم الذي لدي بالكاد يكفي للعمليات الحيوية وغيرها من التفاعلات الإنسانية الأخرى، ولا يحتمل المشاركة مع طفيلي خارجي وإلا تحولت إلى إنسانة “ما عندهاش دم” كما يقولون. أ و لعلك تأنفين البشرة السمراء لموروث جاهلي وعنصرية كامنة في نفسك، وبالتالي كان جلدي ودمي دون المستوى المطلوب، فتحيدين عني وتشبعين عطشك الدموي ممن فتح لونهم ولانت جلودهم تحت مجساتك.0

ما الذي تغير الآن؟

هل أصبح الدم المر يروق لك فجأة؟ أم هل تراها المشاهد الدموية على شاشات التلفاز هي التي فتحت شهيتك لمزيد من الدماء فنكثت ما كان بيننا من عهد؟

ذاك اليوم رأيتك تقفين على الحائط، سمينة وسوداء من شدة امتلائك بالدم. ألا تخشين أن يثقلك كل هذا الوزن يوماً فلا تستطيعين الطيران وتكون نهايتك تحت حذاء أو شبشب يجعل منك أحفورة في جدار؟

لو أن الأمر اقتصر على الطنين ما أن أطفىء النور لربما كنت سأغض الطرف وأدعك تسرحين وتمرحين، ففي النهاية كل هذه النباتات والأشجار حول البيت الجديد لا بد أن تجذب مختلف أنواع الكائنات الحية الدقيقة، ضريبة الماء والخضرة. لكن التورمات الحمراء الصغيرة الناتجة عن لدغات لا يشعر المرء بها إلا بعد فوات الأوان وما يرافقها من حكة هي ما دفعني إلى تغيير سياستي. أجل، لم تتركي لي خياراً آخر. أنا التي كنت لا أطيق رائحة “الفيب” ولا أجد له داعياً اشتريت آلة جديدة ووضعتها بقرب السرير وعلي وعلى أعدائي. نعم يا عزيزتي، أنت والشعشبون والخنافس الآن سواسية.0

صدقيني، لقد فكرت في حل آخر. حين رأيتك تقفين بأناقة على الجدار المجاور للسرير بعد أن استنفدت الوسائل للتخلص منك تنهدت وفكرت بشكل يكاد يكون جدياً، بأن أتبناك كحيوان أليف. أضع لك بعض العسل على منصة صغيرة ألصقها بالجدار، تقتاتين عليه وتتركينني بحالي. إلا أن الفكرة لم تبدُ مجدية كما أن علينا الاعتراف أنها جنونية بعض الشيء. الصداقة بين الإنسان والبعوض ضرب من الخيال، إنها علاقة تطفل وصراع أزلي، كما أنني لا آمن غدرك بعد ما رأيته منك من جشع. فكرت أيضاً في تربية خفاش، هل تعرفين أن الخفاش يمكنه التهام ألف بعوضة في ساعة واحدة؟ لكنني لا أملك خبرة طويلة في تربية الثدييات الطائرة ولا الشجاعة الكافية لاصطياد الخفاش الصغير الذي يحلق في الحارة، ومن هنا ألغيت الفكرة.0

لكنني يا غريمتي أخشى علي منك كما أخشى عليك مني، بل أكثر لأكون صادقة معك. أخشى على اتزان عقلي وسلامة تفكيري من الوقوع في شرك الأوهام ونظريات المؤامرة؛ فهجومك المباغت ما أن يجن الليل واتحادك مع عوامل الأرق الأخرى تجعلني أتصور وجود اتفاق من نوع ما بينك وبين جهة سرية من مصلحتها منعي من النوم بل والاستيقاظ مفزوعة في ساعات الليل الحالكة.0

اصدقيني القول، من أجل ما كان بيننا من تحالف فيما مضى، هل تعملين لحساب أحد؟ لست مجنونة لأظن أنك تحملين جهاز تنصت من نوع ما، لكن أيعقل أن يكون طيرانك المتثاقل ناتجاً عن حمولة زائدة من الدم فحسب؟ الأمر يستحق البحث.0

في النهاية يا عزيزتي، لا تظني هذه رسالة مقفعية تحمل من المضامين أكثر مما تظهره الكلمات، بل هي رسالة صادقة حرفية بحذافيرها بهدف التوصل إلى حل ما، وإلى ذلك الحين: الفيب عن يميني والشبشب عن يساري، والخيار لك.0

8 responses

  1. مبدعة!
    ———
    (بس هاي أختهم للضحايا السابقين اللي كنا نشوفهم عتويتر؟)
    ———–
    عزيزتي، أو عزيزة البعض على الأقل، لا تذعني و لا ترضخي و لا تغرنّك الحياة الدموية

    كلام معسول أو قالب عسل.. من بيده السلاح لا امان و لا أمن عنده

  2. تذكرت الفيب وريحته.. وايامه وايام غَرْبَة.. لما نفتحه وتنزل منه نتفة بودرة ونروح نغسّل ادينا عشان ما يصير عنا “هداك المرض”، عنجد سلاح وكإنو الواحد بحط رصاصة ببندقية قنص، ضريبة الدالية اللي كانت عنا..
    كنا لما كانت نحكي عن الفيب: “حط الفطعة في الطزعة وحط الطزعة في الزطمة” where :

    الفطعة: الفشكة، المستطيلة الازرق السماوي ذات الريحة الخلابة
    الطزعة: الجهاز تاع الفيب
    الزطمة: بريز الكهربا

    ما احلاها ايام زمان، الا ليت الناموس يعود يوماً…فأخبره بما فعل الـ________

    1. الخسيسُ ؟
    2. الرئيسُ ؟
    3. الربيع العربي ؟
    4. المجتمع الدولي ؟
    5. امريكا واسرائيل ؟
    6. ايران والامتداد الشيعوفارسي ؟
    7.بما كسبت يداك ؟
    8. انت انت ولنتاش دااري ؟!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s