كتّاب خمس نجوم

لنتفق على بعض الأمور

ككاتب، أو كشخص يطمح أن يكون يوماً كاتباً، مهما بلغت ثقتك بنفسك أو بعملك لا بد من الاحتفاظ بمقدار معقول من الشك. الشك الذي يبقي قدميك على الأرض ويحميك من التحول إلى الجانب الدفاعي إذا ما أشار أحدهم إلى سقطات لغوية أو فنية أو إيقاعية في النص الذي قد يتراءى لك كاملاً  إلى حد ما. ذلك الشك الذي يعينك على تقبل النقد مهما كان لاذعاً، ويذكرك بأنّ الكتابة عملية مستمرة من التجربة والاكتشاف. الشك الذي يوفر عليك عناء التبرير ومحاولة إرغام القارئ على ابتلاع نصك بشكل قسري  حين يتعذر وصوله إليه.0

بعد الاتفاق على ما سبق ذكره، يمكننا عمل الاستنتاج المنطقي التالي: ككاتب، وخاصة ككاتب مبتدئ لم يخط أكثر من كتابين أو ثلاثة جلّ من قرأها أفراد عائلته وأصدقاؤه المقربون، لا يمكنك بأي حال من الأحوال أن تمدح نصاً كتبته، ولو أصبح من أكثر الكتب مبيعاً، فإن كان مادح نفسه كذاباً فمادح نصّه موهوم أو نرجسي لدرجة مرضية، أو هذا على الأقل ما سيتراءى للقارئ الذي قد يحرص على قراءة نصك لا لشيء إلّا ليوجه لك ضربة تعيد إليك رشدك وتشفيك من بعض وهمك. وعليه، فإنه لا يجوز للكاتب بأي حال من الأحوال مثلاً أن يعطي كتابه تصنيف “خمس نجوم” على المواقع التي تعنى بالقراءة والكتب.0

بعد الاتفاق على ما سبق يجدر التذكير بحقيقة قد يغفل أو يتغافل عنها كثير من الكتّاب، مغمورين كانوا أم مشهورين. كل كاتب لديه شيطان صغير يعيش في زاوية من دماغه ويقنعه بأنّ ما يكتبه هو أفضل نتاج بشري يمكن قراءته على الإطلاق. طبعاً تتفاوت القدرة على مقاومة هذا الشعور من شخص لآخر، إلا أنها تنحدر إلى مستويات متدنية جداً لدى البعض لدرجة أن تراهم، هم أصحاب النصوص الزاخرة بالشخصيات الهلامية والقصص المبتورة، لا يجدون حرجاً في انتقاد أعمال لعمالقة الأدب من أمثال تشيخوف وماركيز ونجيب محفوظ، أو تجدهم كلما “دقّ الكوز بالجرة” يشبهون أنفسهم بهذه الرموز، خاصة حين تفشل نصوصهم في الوصول إلى القراء كما يريدون.0

يخطر ببالي محمد طمليه من وقت لآخر وأتذكر كلامه عن روايته التي لم يكتبها أبداً والتي كان يقول إنها كانت لتضعه ضمن مصاف الكتّاب العالميين. أكرهه في هذه اللحظة، أتمنى لو أنه كتبها فعلاً ليثبت صحة كلامه، بدل أن يكتفي بكلام قد تظنه نابعاً من ثقة زائدة ويعطي المجال لهواة الكتابة بتقديم ادعاءات مماثلة. لكن لنتفق على شيء آخر قبل أن تسول لأحد نفسه التذرع بالادعاء نفسه: أين أنتم من طمليه؟0

وعليه عزبزي الكاتب، عزيزتي الكاتبة، تذكر دائماً أنّ هذا العالم مليء بالكتّاب وبمن يطمحون لأن يصبحوا كتّاباً، ولا أسهل من أن تصبح كاتباً في العالم العربي حيث يمكن أن تجد ناشراً لا يكلف نفسه عناء قراءة ما تريد نشره طالما أن من سيدفع ثمن الحبر والورق. لكن هناك فرق أساسي بين الكاتب الحقيقي ومن “يشخبط” على الورق ويوهم نفسه أنّ ما ينتجه أدب والأدب منه براء. الواهم يرى كل ما يكتبه أدباً مهماّ يستحق أن ينشر ويقرأ، وربما أن يكتب بماء الذهب. لكن الكاتب الحقيقي فقط هو من يكتب، ويكتب، ويكتب، ثم يقرأ، فيمزق الصفحة إرباً ويلقيها في سلة المهملات لأنه يرى أنّ ذلك هو  مكانها الصحيح.0

2 responses

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s