قاطع… أو لا تقاطع

وأتمنَّـى أن تتفهَّموا موقفي من الرقص الشرقي، الذي أُعاديــه، فقط لضرورة المعارضة، ذلك أن البنت الجزائرية “مُعارضة خلقة”، تأتي إلى الوجود “حاملة السلّم بالعرض”، ولا تنزل من بطن أُمها إلاَّ بعد “أُمّ المعـــارك”، وبعد أن تكون قد “بطحـت” أُمها، وتشاجرت مع القابلة، وهدَّدت الدكاترة في أوَّل صرخة لها، بنسف المستشفى إنْ هم لم يصدروا بيانـاً يُندِّد بالإمبريالية، ويُعلن مقاطعة حليب نيدو الذي تنتهي مكاسب الشركة الأم “نستله” المنتجة له ولنسكافيه في الخزينة الإسرائيلية.”00

* من مقالة لأحلام مستغانمي

استوقفني السطر الأخير. رجعت بالذاكرة لبدايات الألفية وانتفاضة الأقصى وانتشار دعوات مقاطعة المنتجات والشركات الداعمة لإسرائيل. ولعلها كانت نعمة مزدوجة، فمن يدري كم من الدهون والكيلوغرامات تم اختصارها من حياتي بالامتناع عن شراء “كيت كات تشانكي” و”تويكس” و”مارس” وغيرها من أصناف “الهباب” الذي كان مدرجاً على قوائم المقاطعة.0

لكن كما هو الحال في أي قضية عربية مهما بلغت درجة ثوريتها على مقياس الوطنية والانتماء، بدأ الحماس الأولي يضمحل شيئاً فشيئاً ليتلاشى وتصبح المقاطعة ترفاً وطنياً ومثاليات عديمة المعنى تنحصر في بعض الحالمين والحزبيين من أقصى اليمين أو أقصى اليسار. أما في المنتصف حيث وقفت متذبذبة معظم حياتي، عاد الناس يرتادون المطاعم الأمريكية ويتهافتون لشراء المنتجات ناسين أو متناسين أو منكرين أحياناً حقيقة أن جزءاً من أرباحها وضرائبها يصب في الترسانة الإسرائيلية على شكل سلاح وذخائر. وأصبحنا نسمع تبريرات جادة أحياناً وساخرة أحياناً أخرى حول جدوى المقاطعة ومدى تأثير امتناعك عن شراء حبة كيت كانت على أرباح شركة نستله والاقتصاد الإسرائيلي.0

في البداية، أو بالأحرى في سنوات الحماسة والاندفاع والأحلام التي تبدو أقرب من حبل الوريد كنت أرد بأنه لو بدأ كل شخص بنفسه فسيكون للأمر تأثير، ولو امتنع كل من يتذرع بتلك الحجج – وما أكثرهم- عن شراء هذه البضائع لكان لهم تأثير حتماً، مسألة حسابية بسيطة.0

لكنني غيرت رأيي.0

أنا حين أمتنع عن شراء “نسكافيه 3 في 1” أو غسول الوجه من “جونسون أند جونسون” أعرف تماماً أن ذلك لا يؤثر في أرباح تلك الشركات أكثر مما ستؤثر حصاة في المحيط الأطلسي. الأمر لا يشكل فرقاً بالنسبة إليهم، لكنه بالتأكيد يشكل فرقاً بالنسبة إلي. إنها محاولة بائسة للإبقاء على بعض من احترام النفس، حصن الدفاع الأخير أمام الشعور بالعجز الكامل والشامل عن فعل أي شيء. ربما لا يمكنني فعل شيء يذكر لنصرة فلسطين، لكنني على الأقل أحاول ألا أفعل شيئاً لدعم إسرائيل، مهما كان عديم الأهمية. هي محاولة لتفادي الاستسلام التام في قولك: “أي تأثير سيكون لي إن قاطعت أو لم أقاطع؟”. موقف أخير رافض للاعتراف بأنني أصبحت إنسانة بلا تأثير.0

أتكون هذه مشكلتنا الحقيقية؟ اقتناعنا بأننا مسيرون. قطعان من البشر تتحكم بها الدول الكبرى والأنظمة الرأسمالية ، لا حول لنا ولا قوة سوى الانصياع لهم متحللين تماماً من أي وهم قد يهيئ لنا – لا قدّر الله- أنّ لنا قولاً في ما يحدث من حولنا.0

لهذا قاطع، أو لا تقاطع، سر مع القطيع أو تمرد عليه، لا تبرر ولا تعطي أعذاراً لأحد، فالأمر يعنيك أنت في النهاية.0

One response

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s