كائنات غير محترمة

قبل أيام سمعت حديثاً كثيراً ما يدور في دوائر معينة من المجتمع العمّاني، ألا وهو استقدام العاملات من جنوب شرق آسيا والتباين بين أجورهنّ ورسوم الاستقدام بين جنسية وأخرى، فبينما تكلف الفلبينية أربعة آلاف دينار وتتقاضى 250 ديناراً في الشهر، ترضى البنغالية الفارة من الفقر والاكتظاظ السكاني بأقل من نصف ذلك المبلغ، ولا تتعدى رسوم استقدامها الألف وخمسمائة دينار، مما يجعل السيدة العربية “مضطرة” بدافع التوفير إلى القبول بوجود وجه غريب بملامح غير مألوفة تزعج العنصرية الصغيرة بداخلها وتعزز شعورها بالفوقية الكاذبة. بغض النظر عن آرائي الشخصية في هذا الموضوع إلا أنه لم يسعني سوى ملاحظة الساخرة في الأمر حين تجد سيدات أردنيات وعربيات يتجادلن حول أفضل “أنواع” الخادمات وأنظفهنّ وأرخصهنّ، مقارنة ذلك بحوار آخر يدور كثيراً خاصة بين المغتربين الأردنيين حول تباين أجور الموظفين في دولة الإمارات، إذ يتقاضى الإنجليزي أو الأمريكي ضعف ما يتقاضاه العربي لمجرد حمله جواز دولة عظمى، بل وتعطى لهم الأولوية في الوظائف أيضاً.0

قد يلوم البعض ذلك على سعر صرف العملات أو على غير ذلك من العوامل الاقتصادية، لكن ما لا يمكن تجاهله أن هناك معياراً دولياً لاحترام الإنسان يستند بكليته إلى جواز سفره، الأمر الذي قد تلمسه في معظم مطارات العالم، فبينما تفتح بعض المدن أبوابها على مصراعيها لاستقبال أمريكي أو فرنسي دون الحاجة إلى تكبد عناء الحصول على تأشيرة دخول أو الخضوع لتفتيش “عشوائي” كأنه مجرم من المجرمين، تجد دولاً تحتجز مواطنين لأيام في مطاراتها قبل أن تعيدهم من حيث جاؤوا لمجرد أنهم ينتمون لجنسية تثير الشبهات في أنفسهم، حتى أن فيلم The Terminal  – الذي يحكي قصة لشخص يحتجز في مطار جون كينيدي لأشهر بعد قيام حرب في بلده ومحو اسمها من خريطة العالم السياسية- قد فقد عنصره الكوميدي أو الخيالي إذ أصبح حقيقة واقعة لفلسطينيين وسوريين وغيرهم ممن احتجزوا في مطارات القاهرة وعمّان وإسطنبول لأيام – على سبيل المثال لا الحصر.0

قد يرجع البعض ذلك إلى أسباب سياسية واقتصادية أيضاً، لكنه لا ينفي حقيقة باتت واضحة: أن احترام أي إنسان في أي مكان في العالم ينبع بشكل أساسي من الاحترام الذي تفرضه دولته في العالم. قد لا يكون ذلك استنتاجاً دقيقاً حين يتعلق الأمر بالشعوب نفسها أو على مستوى التجارب الفردية، لكنه أمر لا يمكن إنكاره على المستوى الرسمي، لا سيما حين يتعدى الأمر التفتيشات المهينة أو الأجور المتدنية إلى استباحة الدم والقتل بدم بارد.خ

لعلها مقارنة مؤلمة لكن لا بد من طرحها بين الحين والآخر، فبينما تجد المواطن “الإسرائيلي” محمياً في أي دولة يذهب إليها وتراه يتجول في مدننا ومواقعنا السياحية بكل أريحية، وإن تعرض له أحد بأذى فإنه لا يرى نور الشمس بقية حياته ويصبح متهماً ومداناً حتى في بلده، تجد مواطناً “إسرائيلياً” آخر لا يجد حرجاً في إراقة دم مواطن أردني لمجرد أن وجوده أزعجه على ما يعتبره أرضه وضمن حدوده.0

إن قراءة ملابسات مقتل الشهيد رائد زعيتر تجعل الصورة واضحة بشكل لا يحتمل النقاش أو التبرير. فما الذي يجعل جنود الكيان الصهيوني ينهالون عليه بالرصاص أمام عشرات الشهود لو أنهم لم يكونوا متأكدين أنه لا دولة تقف وراءه لاسترداد حقه، بينما تقف وراءهم حكومة مستعدة لاختلاق وتصديق كل أنواع الأكاذيب في سيل تبرئة ساحتهم وإدراج الجريمة تحت خانة الدفاع عن النفس؟ فالقاتل الصهيوني لا يدان أبداً، لا سيما إن كان القتيل عربياً، فإما يكون بطلاً تقام له النصب التذكارية وإما أن يكون مجنوناً رفع عنه القلم.0

إن أكبر خطأ قد نرتكبه هو أن ندع استشهاد رائد زعيتر  يمر مرور الكرام فيكون مجرد حدث تثور له حميتنا ونقيم له كل عام ذكرى سنوية ثم نعود للانغماس في ذلنا اليومي. إن استشهاد رائد زعيتر يجب أن يكون صافرة إنذار تذكرنا كل يوم بأننا وصلنا إلى الحضيض ونكاد نصطدم بقاع صخري يدمر كل ما بقي لدينا من أثر كرامة، ليذكرنا بأن أياً منا قد يصبح رائد زعيتر في يوم ما، ونكون متأكدين تماماً أن حقنا سيضيع وينسى مع الأيام، ولنعرف أن الرصاصة التي أصابت القاضي زعيتر لم تقتله، وإنما قتلته أعوام من التخاذل والخنوع واتفاقيات الاستسلام. الرصاصة التي أصابت زعيتر ارتقت به وحطت بنا إلى الدرك الأسفل من المهانة لتضعنا في مواجهة مع حقيقتنا التي تغطيها الإعلانات السياحية والأغاني الحماسية، حتى إذا زالت تلك المؤثرات البصرية والصوتية كشف الستار عن شعب يتيم أعزل وحكومة في كرسي متحرك: لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم.0

جنسية أمي حق “طبيعي” لي

أتذكر بوضوح حديثاً دار بيني وبين سيدة مغربية قبل فترة، وأتذكر بوضوح ما شعرت به وهي تتحدث عن تفكيرها في العودة إلى المغرب مع أولادها الذين لم يزوروا المغرب قط ولكن يمكنهم الحصول على الجنسية المغربية بكل بساطة لمجرد أنّ أمهم مغربية. وأتذكر بوضوح أنني لم أشعر بالغيرة من دولة تعامل بناتها كمواطنات كاملات بقدر ما شعرت بالغيظ من أنّ تلك الفكرة البديهية نفسها ما زالت قضية تثير الجدل حيث أعيش، وتتطلب حملات حقوقية واعتصامات ومحاولات بائسة لإقناع مجموعة من المسؤولين بأنّ منح الرجل حق إعطاء جنسيته لأبنائه بغض النظر عن جنسية أمهم يقضي بالضرورة والمنطق منح الحق ذاته للمرأة التي لا تقل مواطنة ولا أردنية عنه.0

ولعل المفارقة في الأمر إصرار المعارضين لمنح هذا الحق على خطورة إقرار ه خوفاً من دخول عناصر غريبة إلى نسيج المجتمع الأردني أو بالمعنى الدارج “أن يكون العريس داخل على طمع”، ذلك أنّ كل مواطن أردني على الأرجح خلال مرحلة ما من حياته عرف شخصاً ما شد الرحال إلى أمريكا باحثاً عن “بنت حلال” تؤمن له جرين كارد أو جواز سفر كندي – هذا إن لم يكن هو ذلك الشخص نفسه- لكن بالطبع يحق للأردني ما لا يحق لغيره، أو بالأحرى يحق للرجل الأردني ما لا يحق لغيره.0

لكن في الحقيقة ليس هذا هو السبب الوحيد، أو على الأقل هذا ما استنتجته من التصريح “المذهل” الذي قرأته قبل أيام لأحد المسؤولين حيث يتساءل: “كيف يمكن لعاقل المطالبة بإعطاء الكوري المتزوج من أردنية حق الترشح للبرلمان؟”. مجرد قراءة هذا التصريح جعلتني أدرك أنّ المشكلة أعمق مما نتصور، المشكلة متجذرة المشكلة متجذرة في عقل الرجل العربي القبلي الذي يأبى إلا أن “ينزل ابنة عمه عن ظهر الفرس”، أو بمعنى آخر يرفض أن يزاحمه ىأحد فيما “يملك” كون المرأة ما زالت تعد من الممتلكات لدى البعض من رجالنا، سواءً كان ذلك على مستوى الوعي أو اللاوعي. كيف يمكن أن نسمح للكوري الغريب بالزواج من أردنية والدخول إلى القبيلة واستباحة مضاربها بل وقد يتجرأ ويطالب بأن يصبح عضواً في مجلس الأجواد أيضاً؟ بل وكيف تجرؤ امرأة من القبيلة أصلاً أن تفضل شخصاً من خارجها على أحد أبناء عمومتها؟ وطبعاً أبناؤها الذين ستنجبهم سيكونون ابناء الدخيل، الغريب، وهم بالتالي غرباء، فلا والله لا جنسية لهم ولو “طلعت عيونهم وعيون أمهم”.0

ولو إني شخصياً أشك في أنّ المسؤول المذكور آنفاً كان يقصد الإخوة الكوريين بكلامه، إلا أنني سأجاريه وأفترض جدلاً أننا نتحدث عن أردنية متزوجة من كوري يرغب في الترشح للبرلمان الأردني، أو يرغب ابنه الكوري شكلاً وبحكم أصل الأب فقط لا غير بالترشح لمجلس الحكماء والعظماء المذكور. أولاً، أنا ليس عندي أي إحصائيات لكن بصراحة على المستوى الشخصي وخلال تسعة وعشرين عاماً على وجه الأرض لم أعرف امرأة أردنية متزوجة من رجل كوري، وإن وجد هذا الشخص فلا أعرف ما هي نسبة احتمال ترشحه لمجلس النواب. لكن ما علينا، فلنفترض جدلاً أن كل تلك الشروط اجتمعت في رجل كوري واحد. شخصياً، أعتقد أنني سأصوت له، وسأدعم وجوده في البرلمان لعدة أسباب منها:0

أولا: المرشح الكوري لن يشتري ذمم الناخبين وأصواتهم بالمناسف والدنانير

 ثانياً: في حال وصوله إلى البرلمان، النائب الكوري لن يستغل منصبه لتوظيف أقاربه الكوريين في الوظائف والمناصب الحكومية

ثالثاً: على الأغلب أنّ النائب الكوري لن يشهر سلاحاً تحت قبة البرلمان

رابعاً: النائب الكوري يمكن انتقاد أدائه ومحاسبته بأريحية كونه لا يستند إلى “عزوة” قد تحول الموضوع إلى ثأر ومسألة شخصية (مقطوع من شجرة)خ

لكن إن نسينا الافتراضات الجدلية وعدنا إلى الواقع سنجد أن المرأة الأردنية حين تطالب بمنح جنسيتها لأبنائها فهي على الأرجح لا تفكر في أن تراهم يوماً نواباً في البرلمان أو أعضاءً في الحكومة (أيّ أم قد تتمنى لابنها مثل هذا المصير؟) المرأة الأردنية حين تطالب بحق منح جنسيتها لأبنائها هي في الواقع تطالب بحقها في المساواة بالرجل الذي أسهمت بقدره في بناء هذا البلد، تطالب باعتبارها مواطناً كاملاً بغض النظر عمن تختار الارتباط به وعدم جعل ذلك مجالاً للانتقاص من مواطنتها أو التشكيك فيها أسوة بالرجل. هي تطالب بحق أبنائها في أن يكبروا ببلد يعترف بهم، ذلك البلد الذي علمتهم أن يحبوه قبل أن يدركوا أنه يصنفهم كغرباء عنه. إنها تطالب بحقهم في أن هوية ثابتة واضحة، انتماء لبلد ربما لم يعرفوا غيره، تطالب بحقهم في أن يكونوا أردنيين على المستوى الرسمي، طالما هم أردنيون على جميع المستويات الأخرى.0