ثقافة الكراهية

أتذكر عمّان قبل سنوات كثيرة من الآن. أتذكر صفة واحدة على وجه التحديد: لم تكن أخبار جرائم القتل حدثاُ شبه يومي، أو حتى أسبوعي ولا شهري. كان جريمة القتل حدثاً شاذاً، ندبة تحفر في وجه المدينة، صدمة تخيم عليها لأيام.0000

ما الذي حدث حتى أصبح القتل هيناً؟

أظنني أعرف. عرفته اليوم وأنا أقرأ خبر تشييع جثمان نتالي الربضي – عليها الرحمة ولأهلها الصبر- إذ بعد أن يدرج المقال شهادة مديرها بأنها “من أكثر الشخصيات الجديرة بالاحترام ممن قابلهم في حياته، وأنها تتمتع بذكاء عالٍ، وتتصف بالجدية في العمل” يمضي لذكر الأسباب التي دفعت قاتلها لارتكاب جريمته وهي أن نتالي رفضت تمرير شحنة أثاث له غير مطابقة للمواصفات والمقاييس، وبالتالي وجد أنه من حقه أن يسلب حياتها مقابل حرمانه من الأرباح التي كان يمكنه أن يجنيها من تلك الشحنة المهربة.0

الأمر جلي جداً، جلي بقدر بشاعته وبقدر ما هو مخيف ومنذر بالخراب. في البداية كان الفساد مصطلحاً يتعلق بالمستويات العليا في الدولة، فحين تذكر كلمة فساد يتبادر إلى ذهنك الوزير والمسؤول ذو “الكرش” المربى على قوت الشعب، ملايين وأملاك مكتسبة بشكل غير قانوني، نزاعات وجدالات واتهامات وهروب وسجن… إلخ.0

لكن الأمر الآن انحدر إلى مستوى ربما لم يتوقعه أكثر المتشائمين، الفساد الآن أصبح مسألة فردية شخصية، بل وحقاً طبيعياً يهيأ للفاسد أنه يخوله لإزهاق ما يشاء من أرواح في سبيل الوصول إلى غاياته. لقد انتشر الفساد كورم خبيث في جسد الدولة حتى تشربته أدق أنسجتها، أصبحت البلاد كلها مرتعاً للفساد وأصبح الفاسد يرى الفساد هو الممارسة العادية والفاسد هو المواطن الأول، الوصفة المثالية لدولة تريد القضاء على نفسها من الداخل بينما أهلها منشغلون بفيديوهات مكررة لأعداء يقفون على الحدود يهددون ويتوعدون وهم في النهاية “راس مالهم” غارة من طائرات أحد حلفائنا المعنيين بحماية “اولاد عمنا” قبل حمايتنا، وتهويل قوتهم وعتادهم مع العلم أن كتيبة واحدة من قوات البادية يمكنها إبادتهم بعد قيلولة العصر.0

مخيف؟ نعم، مخيف. لكن ثمة شيء يخيفني أكثر.0

تذكرت جريمة أخرى وقعت قبل فترة قصيرة وأثارت الضجة نفسها وهي جريمة قتل الشاب وسام حداد – عليه الرحمة ولأهله الصبر-  قلت لنفسي إن دوافع قتله لم تكن بعيدة عن دوافع قتل نتالي، فقد قتله شخص يعمل معه لخلافات في العمل، إلا أنها لم تبدُ قضية فساد بقدر ما هي قضية كراهية. تلك الفكرة أخافتني بقدر ما بدت حقيقية وواضحة خاصة في السنوات الأخيرة، باختصار: نحن مجتمع تربى وتغذى على الكراهية. نحن نكره بعضنا لأتفه الأسباب، لا وبل أحياناً نبحث عن أي سبب لنفعل ذلك. تربينا عليه أولاً حين كانت الفتن والكراهية – ولا زالت- تستخدم كسلاح ضدنا كأسهل وسيلة لفرض السيطرة: أنشئ مجتمعاً منقسماً على نفسه، مجتمعاً يكره ذاته، وكن أنت المخلص. لكننا تمادينا في تغذية أحقادنا وتعهدناها بالرعاية حتى أصبحت جزءاً من تركيبتنا الثقافية، أصبحت العنصرية والطائفية جزءاً لا يتجزأ من ثقافتنا حتى لا نكاد نشعر به، نمارسه بشكل طبيعي وغير واعٍ تقريباً، وإن كنت لا تصدق فتصفح أي حوار على مواقع التواصل الاجتماعي على خلفية أي حدث من هذا النوع. كيف يمكن لشخص أن يتغاضى عن الموضوع الرئيس المتعلق بقتل نفس بشرية والتركيز على دينها وعشيرتها وأسباب قتلها بل والتعارك مع غيره حول ذلك لساعات لا تقدم ولا تأخر.0

أصبح الاعتداد بالذات وكراهية الآخر سبباً في استهانة أرواح الآخرين، كأنهم موجودون لتسهيل حياتنا وإن ضايقونا فلنا كل الحق بإفنائهم، إما بإفراغ مسدس عيار 9 ملم في أجسادهم، أو بقيادة سياراتنا بسرعة جنونية، أو بإطلاق العيارات النارية في المناسبات كونها الوسيلة الوحيدة لإفراغ الطاقة التي تعتمل في دواخلنا ساعة الفرح بغض النظر عن الأسى الذي قد تجلبه على غيرنا، فنحن الأهم، ونحن الأولى، وحياة إنسان لا تستحق أن تكون سبباً في إفساد متعتنا المؤقتة.0

هذا هو الأمر إذاً: مجتمع يكره نفسه، وفساد يستشري بصمت، والقانون مات برصاصة طائشة في أحد الأعراس.0

لكن ثمة شيء مهم علينا تذكره، عمّان مدينة لم تنشأ على الكراهية، لا يمكنني الادعاء أنها نشأت على الحب كما قد يحلو لشاعر حالم القول. لم يكن ذلك حباً على الأرجح بقدر ما كان تقبلاً للآخر كخيار وحيد لتكوين حياة ناجحة في مجتمع مختلط الأعراق. عمّان بدأت صغيرة وخجولة، لكنها الآن كبرت، وبناتها الأوائل لم يبق منهم أحد على الأرجح، لم يبق سوى خلف اختلف فيه الصالح بالطالح وأخذته العزة بالإثم حتى ظن طيف من سكانها الحاليون أنهم فوق القانون، وأنه يحق لهم ما لا يحق لغيرهم وأنهم لا يحتاجون ذلك الغير، وأصبحت الكراهية نهجاً والفساد حقاً مكتسباً بل وطبيعياً للبعض.0

ربما علينا أن نصل مرحلة ندرك فيها بالطريقة المؤلمة أن صلاح الفرد من صلاح المجتمع وفساده من فساده، أن ما نفعله اليوم سيعود ليطعننا في الظهر غداً لأننا شئنا ام أبينا جزء لا يتجزأ من بنية واحدة، وحين ندرك ذلك فسنعود طوعاً أو كرهاً، لا يهم، لنجبر أنفسنا على تقبل الآخر والاعتراف بقيمته كوسيلة وحيدة للخلاص الحقيقي.0


		

3 responses

  1. well done Ola, could not have been stated any better than this. our hearts go to the families of the victims. Fostering voices like yours is a step closer to salvation in our beloved homeland

  2. Why isn’t this post (or many) on the newspaper or TV ?

    3njad couldn’t be stated better.

    My question is, do you review your posts before posting them ? Or does they come as perfect and spontaneous as this without the need to replace any word or sentence

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s