اللقاء الوشيك

كان صباح جمعة بارد أواخر العام الماضي،  ما كنت لأذكره دوناً عن بقية الصباحات التي اعتدت الخروج فيها لتناول الإفطار برفقة بعض الأصدقاءاستغلالاً لعطلة أسبوعية تدوم يوماً واحداً، هي أشبه بساعة الشمس في السجن في أسبوع متخم بالعمل. ما كنت لأذكر أي تفصيل منه، في الواقع لقد غابت عني كل تفاصيله الآن، باستثناء تفصيل واحد عاد إلى ذاكرتي الأمس بالذات. الشيء الوحيد الذي أذكره بندم من ذلك اليوم هو أنني قررت الانسحاب والعودة إلى البيت، جاهلة أنني كنت على بعد أمتار من لقائها، لو بقيت قليلاً فقط! وداريت قهري بفكرة: لا بأس، من قال إنني لن ألتقي بها أبداً؟

وبالأمس، حين انتقت احتمالية هذا اللقاء – في هذه الدنيا على الأقل- أدركت أنني أنا شخصياً، التي لم لم تلتقي بها في حياتها ولم يخاطب لسانها لساني، قد خسرت رضوى.0

RADWA30

لا أعرف ما نوع الحزن الذي اكتنفني حين علمت بوفاة رضوى عاشور. كل ما أعرفه أنه لم يكن حزناً على شخص غريب، ولا حزناً على رمز أدبي أو روائية مفضلة، ولا كان تعاطفاً مع زوج أو ابن. حزني على رضوى كان حزناً على إنسانة عرفتها عن قرب، جالستها ساعات طويلة وزرت معها أزماناً وعوالم بعيدة وقريبة، وأصبح على عقلي الآن أن يتقبل أن رضوى لن تكتب من جديد، ولن تُلتقط لها صور ضاحكة من جديد. كان عليّ إقناع نفسي بأن العالم أصبح ينقص رضوى. هي إرادة الله، عليّ التسليم بأن الأرض نالت حظها منها، وأن السماء تشتاق للرائعين.0

وتحدق بي كتبها على الرف. تبدو مختلفة الآن، اكتسبت بُعداً جديداً ومعنى آخر. ما زالت “الطنطورية” تسيطر على صورة رضوى في ذهني، كيف يمكن لامرأة لم تطأ قدمها أرض فلسطين يوماً أن تكتب كل هذا؟ من تكتب هذا لا يمكن أن تكون سوى فلسطينية. أصبحت على قناعة بأن فلسطينية رضوى لا تقل عن مصريتها، لكن الأمر لا يتعلق بالبلاد، فإنسانية رضوى التي تقرؤها في كل كتبها وفي كلمات المعزين بها والمفجوعين بفقدها كانت قادرة على جعلها من أي بلد ومن كل جنسية.0

radwa0

مما ساءني أن بعض الناس يعرفون رضوى بكونها زوجة مريد أو والدة تميم، وحري بمريد أن يُعرف بأنه زوج رضوى، وبتميم بأن يُعرف بأنه ابن  رضوى. لكني أعرف أن هذا ما كان ليسوء رضوى، فالحب في تلك العائلة لا يخفى على أحد، لا لكونها عائلة أدبية ثقافية فحسب، وقد رأيت ذلك بنفسي عن قُرب في عينَي مريد ذات يوم حين جمعنا به لقاء في عمّان وراح يتحدث عن زوجته وابنه، ناقديه الأوليين، وتلك الابتسامة التي لمعت على وجهه وهو يتحدث عن أولئك الناقدين اللذين يقرآن النصوص ويقيمانها “بالبيجامة”. لا أبالغ إن قلت إن حب مريد لرضوى يمكن أن يدرس كنموذج حديث لرجل عرف كيف يحب امرأة بحق. ذلك الحب الذي يتجلى بين ثنايا “ولدت هناك، ولدت هنا”، وفي قصيدته “رضوى”، حتى بعد أكثر من أربعين عاماً اعتبرها مريد نعمة من أكبر النعم، أربعة وأربعون عاماً برفقة رضوى. لا أشك في أنه افتتن بعقلها، وأن ضحكتها كانت تعطيه دافعاً جديداً للحياة، لكنني واثقة بأن ما أسكنها من قلبه هذا المكان هو روحها التي أسرت آلاف القراء حول العالم، وكان له هو الحظ الأوفر منها.0

ثم أعود لأفكر في ذلك الصباح البارد، وذاك اللقاء الوشيك. ربما لو تأخرت قليلاً لكنت التقيت بها فعلاً، لكن أي لقاء سيكون ذلك؟ ما كانت لتحكي لي عن غرناطة، أو تأخذني في جولة بين بيوت الطنطورة، وما كان الوقت ليتسع لتحكي لي قصة لقائها الأول بمريد أو فراقهما حين قُبض عليه ونُفي خارج مصر. ما كان ذلك اللقاء ليرضي طموحاتي، ولا أي لقاء في حيز هذا الزمان كان سيفعل ذلك. لعلها رسالة أن لقائي برضوى يجب أن يكون طويلاً، غير محكوم بزمان ومكان ومقص رقيب، لقاء في حياة أخرى لا سجون فيها ولا تعذيب ولا نفي ولا احتلال ولا مرض يخطفها فترحل تاركة وجعاً كبيراً، وكثيراً من الحب والجمال والأمل.0

رضوى ستظل فكرة نبيلة، ذكرى محفوظة في قلوب عاشت معها آخر أيام الأندلس وأول أيام النكبة، حباً كبيراً في قصيدة، نفحة من جمال في عالم يزداد فيه القبح كل يوم.0

أما أنا فسأكتفي الآن بلقاءات من طرف واحد، في كتب كثيرة لم تُقرأ، وقصص لم أسمعها بعد.0

من قلبي: شكراً رضوى. امضي إلى رحمة واسعة وخير جوار.0

 

One response

  1. “– في هذه الدنيا على الأقل- ”
    +
    “ما كان ذلك اللقاء ليرضي طموحاتي”
    و لن أزيد

    “لا أقدر أصلاً!”
    ———–
    الله يرحمها

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s