موت جنوب النهر

لم يكن موت س.ص حدثاً عادياً في قريته النائمة في زاوية منسية جنوب النهر. نزل الخبر على قومه الذين لم يألفوا الفواجع كحمم قذفها بركان نائم ذات نهار عادي، عادي جداً. لعل تعطأشهم لفاجعة ما تضمهم معاً وتضفي بعض الإثارة على حياتهم الراكدة جعلهم يبالغون في تهويل المأساة، أو لعلهم أحبوه فعلاً كما شهدوا لبعضهم.0

قال البعض إن زوجته ما أن سمعت بالخبر حتى أغشي عليها وتطلب إيقاظها ثلاثة فحول من البصل ودلوين من ماء بارد، وحلفت ألا تغادر بيته، الذي هو بيت أهله، حتى يدركها الموت فتلحق به. وقال البعض ذاتهم أن أمه لم تذق الزاد منذ جاءها الخبر، وظلت ساهمة لا تنبس ببنت شفة سبعة أيام بلياليها، ولما نطقت طلبت أن تزور قبره الذي لم يُعرف مكانه إذ مات غريباً وحيداً في أقاصي الأرض. يروي آخرون الواقعة كما يلي: في الليلة السابعة لسكوتها استيقظت الأم المفجوعة  في آخر ساعات الليل هلعة مفزوعة وراحت تهز زوجها الذي، كما يُقال، صار ينام ست عشرة ساعة في اليوم منذ جاءه خبر ولده، وراحت تصيح وتطالبه بأخذها حالاً لترى قبر ولدها بعينها وتلمسه لمس اليد.0

أما أخوه الوحيد فأصابه ما قال مختصون أنه حالة من الاكتئاب الحاد الناتج عن الصدمة، إذ لم يعد يكلم أحداً من الناس وعزل نفسه داخل سيارة أخيه القديمة التي ما انفك يحاول إقناعه ببيعها، وغدت الآن تراثاً لا يبيعه بكل أموال الأرض.

في أول أيام العزاء توافد أهل القرية شيباً وشيباناً إلى دار الفقيد ولم يكونوا يتركونها حتى العشاء. أعلن مختار القرية تبرئة الفقيد من َدين كان له برقبته، وحذا بقية أهل القرية ممن كانت لهم أموال تجارة مع الفقيد حذوه، بينما راح أصدقاؤه يذكرون قصصاً تقشعر لها القلوب في شهامته وجسارته.

لم يلبث وكان هذا الحال حتى حلّ الشتاء، وكأنما غسل الشتاء الحزن العالق في الهواء فبدأت القرية تستعيد روح اللامبالاة شيئاً فشيئاً، والحزن الطويل يضجر الروح ويعطل سير الحياة، والحي أبقى من الميت كما يقولون، والنسيان نعمة، والعزيز يبقى حياً في القلب، وإن جاء ذكره تلين ملامح الجالسين ويقول أحدهم إن روحه قد طلبت الرحمة.

لكن الحزن ظل ضيفاُ ثقيلاً في منزل أهل الفقيد، ولما لحق أمه وأبوه به إلى ديار الحق تربّع الحزن وأعلن نفسه سيداً للبيت بلا منازع. ارتأت أرملة س.ص أنه لم يعد مناسباً بقاؤها في المنزل وحدها مع أخيه وزوجته فتصبح خادمة لهما، فما كان منها إلا أن انتزعت نفسها من منزل الزوجية الذي حلفت ألا تتركه أبداً، وغادرته بدموع عيونها. إلا أن الدمع ما لبث أن جف إذ توافدت نساء القرية لمواساتها كأنّ المرحوم، بإذن الله، قد مات مرة أخرى. وتضمنت عبارات المواساة لفتات لطيفة إلى عمرها الصغير وجمالها الذي لا يجب أن يُدفن مع مع دُفن، وأحقيتها في أن تواصل حياتها وتفتح الباب لدخول السعادة من جديد. وهكذا وبعد أشهر من الحداد والدموع وتوافد المعزيات، خلعت الأسود ووضعت الكحل واستقبلت الخاطبين، ولم تلبث أن تزوجت وصار لها من الأبناء اثنان خلال عامين.0

أما أخوه فصار له من الأبناء ثلاثة، واضطر إلى بيع سيارة أخيه التي عاهد نفسه ألا يبيعها أبداً، لكن تذمر زوجته وتكاليف الحياة أرغمته على ذلك. غرفة أخيه صارت غرفة لأكبر أبنائه بعد أن قام بطلائها من جديد بألوان زاهية لتطرد الحزن المقيم فيها منذ سنوات.0

وهذا ما كان من حال القرية والأهل بعد أربع سنوات من خبر رحيل س.ص، والذي لم يعد بعد كل ذلك الوقت أكثر من اسم يتذكرونه بشيء من الحب أو الصعوبة أحياناً كلما طلبت روحه الرحمة.0

وفي شتاء العام الخامس  حدث ما لم يخطر ببال أحد. يحلف أحدهم أنه رأى رجلاً يركض من جهة النهر كأنه رأى شبحاً، وما هو بشبح، ولما رآه رجال القرية المتعطشين لحدث جديد يكسر رتابة حياتهم ركضوا في الاتجاه المعاكس، فلما رأوا ما أفزعه أسقط في يدهم وتبعوا الشبح بصمت حتى وصل إلى منزل س.ص سابقاً وطرق الباب.0

يُقال إن شقيق س.ص عانقه ساعة كاملة قبل أن يستطيع الأهل القرية أن يفتكّوه من بين ذراعيه. تناقل السامعون الخبر الذي سمعوه على لسان العائد من الموت حتى لم يعد أحد يعرف صدقه من كذبه. البعض قالوا إن عاصفة ضربت مركبه فقذفته الأمواج إلى جزيرة عاش عليها يصارع الوحوش البرية ويأكل أوراق الشجر والحشرات حتى وجدته سفينة تجار من الهند. وفي رواية أخرى يُقال إنه سقط عن جبل أثناء ترحاله وفقد الذاكرة طوال تلك الأعوام، لكن الرواية الأقوى تقول إنه تعرض للاختطاف على يد جماعة من تجار البشر وعاش في العبودية حتى جاء فرج الله.0

لم تثر القصة فضول أهل القرية طويلاً، إذ أن أخبار الحياة لا تعدل أخبار الموت إثارة في عرفهم. وما هي إلا أسابيع حتى عاد س.ص  هو س.ص ما قبل الفاجعة، وبدأت أفواج الدائنين تتوافد إلى الدار كل منهم يطالبه بما كان يدين له به قبل رحيله وبأموال تجارتهم الضائعة، ولما لم يفلح في سدادها خسر الصديق تلو الآخر وبدأ الناقمون عليه بالتكاثر.0

تذكر سيارته القديمة فسأل أخاه عنها، إلا أنه أخبره بأن سعرها لم يكفِ حتى سعر الطلاء لغرفة ابنه البكر، التي تعب في تجهيزها كثيراُ بالطبع فطلب من س.ص النوم في الصالة مراعاة لمشاعر الولد وخصوصيته، ما لبث أن بدأ ينقل له تذمر زوجته من وجوده في البيت مما منعها من أخذ راحتها في منزلها، فما كان منه إلا أن غادر المنزل لعله يجد مأوى في منزل صديق أو قريب.0

ولما كان أصدقاؤه قد قلوا ومن بقي منهم تذرع بضيق داره ليعتذر عن استقباله، فلم يبقَ أمامه سوى ابن عم له، قصده كملجأ أخير، فما كان منه إلا أن خرّ صعقاً حين فتحت زوجته – السابقة- الباب تحمل على خاصرتها طفلاً  لا يشبهه.0

هام على وجهه ليلة أو ليلتين قبل أن يتجه ببصره إلى النهر الذي أعاده إلى هنا. اعترته رغبة في الجري حتى يصل إلى منبعه، لكن لم تكن به قوة لذلك. نهض ومشي بخطوات بطيئة، مشى طوال الليل، ومع طلوع الفجر شوهد في القرية للمرة الأخيرة، راحلاً عنها بلا عودة هذه المرة.0

3 responses

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s