مذكرات مدرسة 1: روضة وتمهيدي وبستان

بحن كتير لأيام المدرسة، بنتعش لما أتذكر الدروج والطباشير والساحة والراحة النفسية اللي ما بتعرف قيمتها إلا لما تكبر ويصير عندك مسؤوليات. طبعاً هاد الحكي ما بعني إنه كل أيامي وذكرياتي المدرسية كانت سعيدة، ولا كلها زي بعض. في مرحلة كنت البنت الهادية اللي كافية خيرها شرها، وفي مرحلة كنت الزعيمة والمشاغبة وحتى المتنمرة (مش فخورة فيها طبعا، بس ما طولت والحمد لله)0

تنقلت بحياتي بين مدارس كتير. جربت مختلف أنواع المدارس والطلاب، مختلطة، مش مختلطة، مختلطة بس منفصلة، خاصة، حكومة، عسكرية، دوام مسائي، دوام صباحي، يو نيم إت. لكن الرصيد الأكبر من عمري اللي انصرف في المدارس كان في مدرسة خاصة في منطقتنا، ورح أتحفظ على اسمها عشان آخد راحتي بالحكي من دون ما أتلبس قضية تشهير أو ذم وقدح. مدرسة صغيرة مش من المدارس الخاصة ذات الأسماء اللامعة اللي بتسابقوا الناس عليها اليوم، يعني ما كان قسطي 3 آلاف دينار وأنا لسا ما دخلت صف أول – فعلياً دراستي في الجامعة 4 سنين ما كلفت 3 آلاف دينار- ولا كانت كل دراستنا بالإنجليزي، وهينا الحمد لله كبرنا وتعلمنا وبنحكي إنجليزي فلوينت كمان، شو عليه

بدأت في هاي المدرسة من الصف التمهيدي مباشرة، ما دخلت بستان. طبعاً تمهيدي وبستان هي ما يُعرف اليوم بـ”كي جي 1″ و”كي جي 2″، لكن أنا شخصياً أفضل قول روضة وتمهيدي وبستان، لأنه “كي جي” بتخليني أحس إنه مختبر تحاليل طبية مش روضة أطفال

ما علينا…0

بتذكر أول يوم دخلت الروضة، رحت مع صاحبيتي وبنت جيراننا روان. طبعاً كوني إنسانة انطوائية بطبعي وعندي بوادر زينوفوبيا  ضليت ملزقة بروان، وكنا كلنا الصغار قاعدين في الصف حوالين الطاولات، وبعدين إجوا المعلمات عشان يقسمونا على شعبتين،  كانت “المس حنان” – الله يذكرها بالخير وين ما كانت- تطلع وتنقي مين بدها تاخد على صفها، وأنا ماسكة إيد روان وخايفة تنقيني، والأجواء في مخي زي أجواء متسابقي عرب أيدول لحظة إعلان النتائج. ألقت المس حنان  نظرة حولين الصف ثم استقرت عيناها علي وقالت: “هاي”. إن ريتروسبيكت بتحس حالك خروف بنقوا لأضحية العيد، وكوني كنت مسالمة وهادية ما ناقشت ولا صرخت ولا جادلت ولا رميت حالي في الأرض، استسلمت لقدري ورحت بهدوء عالصف التمهيدي “ب”0

بتعرف لما مرات ذاكرتك ترجعك فجأة لمكان معين فجأة؟ امبارح وأنا بتذكر التمهيدي “ب” أدركت لأول مرة بحياتي إني ما بعرف شو كنت تشوف لما تطلع من شباك الصف، لأني بطبيعة الحال كأي طفل عمره 5 سنين كنت أقل ارتفاعاً من حفة الشباك. هاي ملاحظة على الهامش، نأسف لضياع 30 ثانية من وقتكم ونأسف لعدم تمكننا من تعويضها

المهم…0

بتذكر تناتيف متفرقة من الصف التمهيدي، بس لا بد إنه عالقة في مخي لسبب

كوني كنت طفلة  خجولة ونتاج مجتمعي كنت ما أحب أقعد جنب الاولاد (من يوم يومي مش طايقتهم)، فمرة من المرات المس حنان غيرت ترتيب مقاعدنا في الصف وحطتني بين ولدين، ما بعرف ليش، يمكن كانت بتحاول تسيطر علينا أو تمنع تشكل عقد نفسية تجاه الجنس الآخر من على بكير، ما بعرف شو كان بدها بس لو كان هاد قصدها فخطتها فشلت. أنا لقت حالي قاعدة بين هالولدين  اللي بتذكر شكلهم لهلأ بشكل مبهم شوي – أكيد مبهم لأنه واحد منهم بس أتخيله بشوفه كإنه عمره شهرين مش خمس سنين- وما عجبني الوضع، بدي أرجع أقعد عند صاحباتي، انقهرت بصراحة إنها حطتهم جنب بعض ونفتني لجزيرة الرجال، فحملت عفشي المكون من شنتة مرسوم عليها منطاد حاول أبوي يقنعني إنها “سَبت” أو بلغة اليوم “لنش بوكس”، وسَبت لونه أصفر جابلي إياه لما فشل في إقناعي، وي اريت إذا حدا بعرف أصل كلمة  سَبَت من وين إجت يفيدنا، المهم وبلا طول سيرة حملت عفشي وصرت أمشي بين الكراسي وعجقت الدنيا عشان أروح أقعد عند صاحباتي، بدون ما أسأل أو أستأذن، مش عارفة لأني ما كنت أعرف ولا لأني ما بحب أستأذن لحد الآن في الأمور البديهية اللي بتخصني شخصياً، والأمر كان شخصي ومنطقي بالنسبة إلي وقتها، أنا بدي أقعد في مكان برتاح فيه يا أخي. المهم بتذكر وجه المس حنان لما شافتني بتدعثر بين الكراسي وسألتني شو بعمل، قلتلها رايحة أقعد هناك، فما بهدلتني ولا قالتلي ارجعي محلك، بس ارتسمت على وجهها علامة تعجب وقالتلي: طيب احكيلي!

أظن الدرس المستفاد من ذلك الموقف كان إني مش عايشة في كوكب لحالي

لكن ما رح أحاول أسوق البراءة كتير لأني وإن كنت خجولة وبتجنب الاولاد كأنهم الجذام، لأن هذا كلام غير دقيق. فعلياً ما استنيت كتير عشان يصير عندي “لاف إنتريست”، يعني لقيت حبي الأول في سن الخمس سنوات (بغض النظر عن السنوات العجاف اللاحقة، بلشت على بكير). كان ولد في صفي أسمراني ومرتب وحليوة ولقيت حالي بحب فيه، أو اللي بسموه هلأ “كراش”، والاسم مناسب لأنه بعطيك شعور إنك مخبوط على راسك، وبتكتشف بعدين إنه الكراش حكي فاضي، أو بلاش تعميم، خلينا نقول إنه قلما تنتج عنه علاقات ناجحة متينة، لأنه بخليك تركز على صفة أو جزئية معينة في الشخص وبتتغاضى عن كل المصايب اللي فيه. طبعاً حتى علاقات الحب والارتباط الناجحة تتضمن قدراً لا بأس به من التغاضي والتعايش، لكن في حالة الكراش إنت بتنعمي عنها بالمرة، وبكون مفاجئ وعنيف. الحب الحقيقي بيجي على مهل، بتسلل شوي شوي ما بتلاقيه إلا في عقر دارك

طبعاً ما حكيت مع الولد اللي كنت أحبه ولا مرة،  كان حب صامت من بعيد لبعيد. بس مرة واحنا بنركض بالساحة خبطنا في بعض راس براس، ومش متذكرة شو صار أو إذا بكينا، بس المس حنان جابتنا ووقفتنا قدام بعض وقالتلنا “بوسوا بعض وتصالحوا”، طبعاً استحينا وما قبلنا، بس ممكن تكونوا لاحظتوا إنه مس حنان شكله كان عندها أجندة

الإشي اللي بضحك في حب الطفولة اللي زي هاد إنه: شو كان طموحي منه؟ يعني لو هو حبني كمان، بدنا نمسك إيدين بعض ونمشي بالساحة مثلاً؟ كان حب لأجل فكرة الحب لا شيء آخر، هاد أحلى إشي فيه

طبعاً كان عندي صاحبات بالصف. كان عندي صاحبتين توأم، غريبة كانت صحبتي معهم. هم كانوا عكسي تماماً، طوال وبيض وعيونهم زرق وتنتين، أنا كنت سمرا وقصيرة ووحدة، فأظن إنه منظرنا كان زي كإنهم الودي غاردز تبعوني، في مشهد تقدمي لنبذ الصور النمطية وتحدي الوايت سوبريماسي. والإشي الغريب إني كنت الوحيدة في الصف اللي أميز بيناتهم لدرجة إني كنت أميز بينهم وهم دايرين وجوههم، وكانت المعلمة مرات تستعين بهاي القوة الخارقة اللي كنت أتمتع فيها. وكان عندي صاحبة اسمها عائشة، بتذكر كان حجمها كتير صغير لدرجة إني كنت أشوفها أقصر مني بكتير وأنا ما كانش في كتير ناس أقصر مني في الصف عادة. أتوقع كنا ثنائي مضحك، إشيين صغار ماشيين في الساحة، يمكن عشان هيك صار معنا الموقف الآتي ذكره: مرة كان معنا أنا وعائشة بكيت شيبس، لما إجينا ناكله فتحناه بالشقلوب. طبعاً هو ما بتفرق كيف ما فتحت بكيت الشيبس لأنه بكيت ورق، بس احنا فتحنا بعكس الرسومات اللي عليه، قام إجا ولد كبير (كبير يعني صف تالت بالكتير)، وحكالنا: ليش فاتحينه بالشقلوب؟ هاتوا أفتحلكم إياه صح، واحنا قلنا هادا كبير وبفهم وكلامه مزبوط، فأعطيناه البكيت يفتحه فصار مفتوح من الجهتين، وصر الشيبس يوقع  منه واحنا بنحاول نلمه ونضبضب فيه. طبعاً الدرس المستفاد واضح وهو إنه لا توثق بكلام كل حدا أكبر منك لأنه مرات بكون جحشنة

بس يمكن أكتر موقف تعليمي بالنسبة إلي كان لما أخدنا حرف الباء وكنا عم بنلون بطة في دفاترنا. لونتها بلون معين، بعدين اطلعت على اللي جنبي لقيتها لونتها بلون تاني، قمت لونتها فوق اللون الأصلي بنفس اللون، بعدين شفت واحدة تانية ملونيتها بلون تالت رحت لونت فيه فوقهم وهكذا، فبالآخر صارت بطتي لونها عبارة عن طين أو مخلفات مجاري بعيد عنكم

بس تعلمت يومها إني ما أقلد حدا وأطبق أفكاري الخاصة. خاصة لما شفت وحدة ملونة البطة بألوان قوس قزح – أيام ما كان قوس قزح بريء- وكانت طالعة بتجنن، فأدركت حجم التياسة اللي قمت فيها

طبعاً تعلمنا أغاني كتير، وإجت بنت لبنانية على الصف وعلمتنا “كلن عندن سيارات وجدي عنده حمار”، انفتاح مبكر على الثقافات الأخرى. وكنا وقتيها نعطل جمعة بس، ويوم الخميس نلبس أي إشي بدنا إياه، ما نلتزم بالزي المدرسي. بتذكر مرة إمي لبستني فستان أبيض عليه نقط ملونة، بس اللبسة اللي هبلت الروضة كلها كانت معطف فرو أصفر جابلي إياه عمي من إيطاليا (أظن؟) لدرجة إنه صاروا يحكوا إجا الأصفر وراح الأصفر، علا اللي جوا الأصفر اختفت

وبتذكر إني واجهت صعوبة جمة في تعلم الكتابة، لدرجة إنه حرف الألف، العصاي مش الهمزة، كانت أمي ترسملي نقط عشان أكتبها فوقهم. عضلاتي كانت مرخية تماماً شكله. بتخيل شو كانوا أهلي يفكروا في هديك الفترة، إنه هاي البنت شكلها بدها تطلع طلطميس، شو بدنا نعمل فيها؟

بس الحمد لله تعلمت أكتب ومشي الحال وتخرجت من الروضة بسلام وانتقلت لمبنى المدرسة الابتدائية

…وللحديث بقية

One response

  1. منيح انك متذكرة.. انا ولا متذكر اشي، بجوز بحكم التنقل اللي كنا فيه زي البدو الرحّل

    الله ايسامحك، رقعت اكم من ضحكة من قلبي الكل صار يطلع علي

    بانتظار البقية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s