مذكرات مدررسة 2: أول، تاني، تالت

وترفعت للصف الأول، وانتقلت للمبنى تبع “الكبار” على الجهة المقابلة من الشارع. مفهوم الكبار يستحق التأمل. طبعاً كل شي نسبي، إنه في فترة من فترات حيقتك كان الولد اللي بصف أول يُعتبر كبير بالنسبة إلك، لكن حقيقة أنا عمري ما حسيت حالي كبيرة، دائماً   كنت أحس حالي صغيرة ويمكن هاد الإشي عملي شوية مشاكل ولو إني إيجابي عموماً. عشان هيك يمكن صار عندي صدمة عاطفية بأواخر العشرينات لأنه خلص، لا مفر، لما جيل التسعين يصيروا زملاءك في الشغل بصير لازم تعترف إنك صرت كبير وناضج ومسؤول، فصار عندي رد فعل عكسي، صرت أشوف كل الناس اللي أصغر مني صغار. 23 سنة؟ لسا صغير.  25 سنة؟ بيبي…0

 المهم، مش هاد موضوعنا. موضوعنا المبنى تبع الكبار

عندي نوستالجيا خاصة لهداك المبنى بالذات، واللي قضيت فيه 4 سنوات قبل الانتقال إلى المبنى الجديد لما الله فتحها على صاحبة المدرسة على ما يبدو وكبرتها وصار فيها صفوف أكتر. برضه المبنى الجديد عندي إلو نوستالجيا من نوع خاص، حقيقة عندي نوستالجيا من نوع خاص لأماكن كتيرة حتى بدأت أشك إنها نوستالجيا عامة وبينها وبين الخصوصية أشواط. المقصف اللي كنت نتدبح عشام نشتري سندويشة فلافل منه، سندويشة الفلافل الناشفة بطبيعة الحال، الساحة التي كنت أحسها كبيرة كتير مع إني متأكدة إني لو رجعت عليها حالياً رح ألاقي إنها يا دوب توسع سيارتين. الممر الضيق اللي بالساحة الذي يفضي للجزء الآخر من الساحة اللي فيه المراجيح المصنوعة من أنصاف إطارات سيارات. وعلى ذكر المراجيح،  أختي كانت تقلي إنه كنت ألعب عالمراجيح مع بنت أكبر مني بسنة اسمها جانسيت وإنه كنا صاحبات، بس أنا لحد الآن مش قادرة أتذكرها. حتى بعد كم سنة، وأنا بالصف السادس أظن، إجت بنت صفي اللي هي بنت خالتها لجانسيت وقالتلي: بتسلم عليك جانسيت. قلتلها: الله يسلمها، بس فعلياً أنا حقيقة مش قادرة أتذكرها ومش عارفة كم من الناس نسيت غيرها، مع العلم إني بتذكر ناس كتير. اللي قدرت أفهمه إنه جانسيت كانت حلوة. لو إني كنت ولد كان تذكرتها عالأرجح

 المهم، مش متذكرة كتير من الصف الأول، لكن في موقف معلق بذاكرتي لحد الآن ومرتبط فيه ارتباط وثيق. طبعاً نظراً لنزعات  الأو سي دي الموجودة لدي، كانت تخطر عبالي أحياناً أشياء غريبة. يعني مثلاً مرة كنا عم نكتب حرف جديد في دفاترنا، فخطر ببالي إشي: ليش ما أخربش على الدفتر بدل ما أكتب الحرف؟ بخربش وبعدين بمحي. ليش؟ بيكوز آي كان. وإذا إنتوا بتعرفوا ليش أنا بعرف. فرحت خربشت عالدفتر، ومش أمحيه دغري، لا! قمت أبري القلم عند سلة الزبالة – أجلكم الله- فجأة وأنا ببري القلم سمعت صوت المس “أمل” بتصرخ. ش وبدكم بطول السيرة، أكلت بهدلة. كيف بدي أشرحلها إني خربشت لممارسة حق أو قدرة مش عارفة شو هي أو لتفريغ شيء مش عارفة شو هو أو للتعبير عن مكنون ما عندي أي فكرة عنه أو لإثبات شيء لا أعلم كنهه، وإني كنت بدي أمحيه بس أخلص بري القلم؟ مهم إني أبري القلم، كان لازم لما سألتني ليش عملتي هيك أحكيلها: كنت ببري القلم. إذا حدا بسمع عن أي تقدم في مجال السفر عبر الزمن يخبرني رجاءً لأني حابة أرجع أضع الأمور في نصابها وأبرئ ذمتي.

يعني بالنهاية المس أمل بهدلت صحتي قدام الصف. الله يسهل عليها وين ما كانت، كانت معلمة جميلة ومتكتكة وعالموضة، خربتلها بريستيجها

هاد ملخص الصف الأول تقريباً. الصف التاني أوضح قليلاً في الذاكرة. كان عنا معلمة اسمها مس تحرير، وكنت أشبهها لعبلة كامل. مرة رحنا رحلة عمدينة الجبيهة الترويحية ووقعت عن السفينة وانكسرت إيدها (أو هاي كانت الرواية المتداولة، المجارس الابتدائية مرتع خصب للشائعات زي ما بتعرفوا) عشان هيك بضل أتذكرها وإيدها مجبصنة. وبتذكرها كمان لما مرة دخلت عالصف وحكت لمعلمة تانية إنها قدمت إلهم التنتين عالحكومة، بعرفش كيف بس كان واضح إنها قرفت من الشغل بهاي المدرسة، ومعها حق صراحة لأنه المديرة كانت… بعدين بيجي دورها

من أبرز اللي بتذكرهم بصف تاني وحدة كانت صاحبتي، اسمها مرام. بنت صغيرة وجهها مدور وشعرها أسود ناعم، تيبيكال كيوت كيد يعني، وكنت أحبها كتير، وبتذكر إنها كتبتلي في دفتر الذكرى: أكتب لك بالمقلوب لكي تبقى المحبة بين القلوب. بس مش هون القصة، القصة إنه وأنا في صف أول ثانوي تقريباً التقيت فيها وما عرفتني، حاولت أذكرها بحالي بس ما تذكرت وحسيت حالي أحرجتها. انقهرت، كنت بدي أقولها: إنت كاتبتيلي بدفتر الذكرى! تعالي أورجيكي إياه!0

صراحة مش عارفة وين راح دفتر الذكرى لأني جبت واحد أجدد وأكبر. شوف الصفاقة  والتفاهة! اسمه دفتر ذكرى عشان تتذكر أشياء قديمة، ليش تكبه  أو تهمله لما تجيب واحد جديد؟ المهم، أظن إنه ضاع وضاع معاه دليلي الوحيد إنه أنا ومرام كنا بيست فريندز

بس إذا رجعتوا للمذكور آنفاً عن جانسيت، فأنا بستاهل مرام وستين مرام تنساني. البنت كانت تدزني عالمرجيحة وما أثمر فيي

طبعاً روان بنت جيراننا اللي ذكرتها في البوست تبع الروضة كانت لسا معي بالمدرسة، وكنا صاحبات، ولا زلنا صاحبات حتى الآن ولو كنت بشوفها كل قرن ونص مرة. بس كنا متخاصمين طول السنة تقريباً، نتخاصم في المدرسة ولما نروح واحنا نازلين من الباص تناديني وتقول: علا… كنا نمزح! طبعاً احنا ما كنا نمزح، بس أنا كنت أحب روان وكنت ولا زلت ما بحب المشاكل، ولو إنه في أشخاص معينين عارفين حالهم وضعهم غير ممكن يقولوا غير هيك، بس العتب على قدر المحبة ياللي عارفين حالكم منيح

ومن أظرف الناس وأكتر البنات اللي كنت أحبهم في الصف عائشة، هاي عائشة تانية غير تاعت بكيت الشيبس، هاي عائشة طويلة. أكتر موقف بضحك مع عائشة واللي أظن إني مرة كتبت عنه هون بس مش متأكدة، كان في فترة من الفترات لما كانوا يعرضوا ملسل “بوابة الحلواني” اللي كان بطله صلاح السعدني وكان اسمه فيه أحمد الحلواني. فمرة كانت المس معطيتنا تمرين في الصف إنا نعمل جمل مفيدة، فصرنا أنا وعائشة نكتب جمل نستخدم فيها “أحمد الحلواني”. هيك، نغاشة. “أين كنت يا أحمد الحلواني؟” “ماذا أكلت يا أحمد الحلواني” “بطيخك مبسمر يا أحمد الحلواني”. وهكذا دواليك. المهم، في بنت من بنات الصف، الله يسامحها، شافتنا بنضحك فحكينالها شو عم بنعمل. طبعاً كأي طالبة نجيبة فسادة ما هان عليها تشوفنا مبسوطين بإبداعنا، راحت فسدت للمس: “مس، علا وعائشة عم بكتبوا جمل فيها أحمد الحلواني”. طب شو دخل أهلك إنت؟ المهم، المس رشتنا بهدلة وقالتلنا اكتبوا زي البشر. وامتثلنا للأمر، وبعد ما المس صلحت دفاترنا وحطتلنا نجوم إجت عائشة وقالتلي: شو كتبت؟ قلتلها كتبت “أين ذهبت يا رباب؟”، أو إشي زي هيك. قامت ابتسمت ابتسامة ماكرة وقالتلي: أنا كتبت: “أين ذهبت يا أحمد” يعني أحمد الحلواني  :-)0

 اكتبي يا عائشة اكتبي،  واضحكي، رغمت أنوف كل الفسادين وعريف الصف

على سيرة عريف الصف، مرة ولد اسمه منصور وقف عريف وكتب اسمي عاللوح مع المشاغبين، حقيقة مش عارفة ليش كتب اسمي أظن إنه كان أبيوزينغ هيز أوثوريتي لأني كنت كتير هادية وأنا بصف تاني، أنا والدرج واحد تقريباً. بس مش هاد اللي قهرني، اللي قهرني إنه كتب اسمي “على” بالألف المقصورة. الله يهد شيطانك يا منصور

صعوداً للصف الثالث، قصة تانية هاد. أول شيء بتذكره من الصف التالت إنه بدأت تتكون عندي نزعات تجارية، صرت أقصقص صور من المجلات وأبيعها لاولاد وبنات الصف، يعني كنت أربحلي باليوم شلنين تقريباً، دحة بهداك الوقت!0

وبتذكر بنت اسمها عروب، قعدت معنا سنة بس، لكن كانت صداقتنا حلوة كتير. كان عيونها خضر كبار وكانت تحب الملك حسين كتير، تموت عليه، وكانت تقول إنها بتحب الملك حسين أكتر من أمها وأبوها، وحجتها في ذلك إنك إذا رحت حكيت لأبوك أعطيني دينار رح يعيطيكي دينار، أما الملك إذا قلتيله أعطيني دينار بيعطيكي 100 دينار. ما علقت وقتها لكن بقدر أجزم إني في هداك الوقت لو قلت لأبوي أعطيني دينار كان يمكن فكرني بشم مخدرات. على كل، الله يسهل عليها، يمكن صارت سحيجة هلأ

لموقف التاني اللي بتذكره من عروب واللي بخليني أحس قديش كانت صداقتنا قوية إنه مرة بعد ما خلص الدوام وزعونا “جولات” كالعادة، يعني حطوا كل مجموعة في صف حسب الباص اللي رح يروحوا فيه، جولة إسكان الضباط، جولة إسكان عالية، جولة البنيات، وهكذا دواليك. فكنت أنا وعروب كل وحدة بجولة، وطبعاً كانت البطولة إنك تتحدى حظر التجول وتطلع من الصف تبع الجولة. فمرة كنت أنا واقفة على باب الصف، كإني كنت بدي أهرب، وفجأة شفت عروب عم “تتنسنس” على باب صفها كإنها بتستطلع الوضع، فناديتها: عروب! قامت شافتني وصرخت: علا! وركضنا عبطنا بعض بنص الممر كإنا لقينا بعض بساحة معركة بين الضحايا، مش كإنا كنا مع بعض في الصف قبل ربع ساعة0

طبعاً أنا بعد حبي الأول في التمهيدي ما حبيت حدا، وأنا مستغربة من هاد الإشي لأنه كان في صفي اولاد لطيفين وحلوين بس ما حبيت حدا فيهم. بتذكر واحد فيهم على وجه الخصوص، كان اسمه عماد، مرة وقعت مقلمتي عالأرض وانكب كل شي فيها، فصار ولد بديش أذكر اسمه يتخوت علي، قام عماد نزل وصار يلم معي الأغراض المتناثرة ويقول: حرام عليكم، ليش تضحكوا عليها، لازم تساعدوها. أو شيء من هذا القبيل. المهم إني احترمته كتير وقتها وبدأت تتشكل عندي فكرة عن معنى الرجل الحقيقي. بس ما حبيته، شكله كان قلبي مطفي، القلب وما يريد

آخر شي من الصف التالت، مس إيثار. كانت معلمة شخصية، بتحس إنها شخصية فعلاً. وأدين لها بأنني ما طلعت تيسة في الرياضيات. كيف؟ ولا إشي، أخدنا القسمة الطويلة وكانت عبارة عن طلاسم بالنسبة إلي. ولما أخدنا امتحان فيها ما سلمت الورقة لأني ما حليت إشي، واكتشفتها مس إيثار في آخر الدوام، وانصدمت وانشدهت، فأخدتني على جنب وشرحتلي إياها لحالي وأعطتني مسائل أحلها بالبيت. ومن وقتها صرت فلتة رياضيات، وصرت أجيب أعلى العلامات فيه، لحد الصف التامن لما اكتشفت إني طول هاي السنوات عم بجبر مخي عالرياضيات وأنا ما بحبها، وإنه مخي توجهه أدبي فني. الله يجزيها الخير مس إيثار، لكن رغم جهودها تدهورت علاقتي بالرياضيات عكبر وعالتوجيهي حفظته حفظ، والله يخليلنا الآلات الحاسبة

الصف الرابع مرق بسرعة، بتذكر طراطيش. بتذكر مرة ولدين بالصف دقوا بخوانيق بعض عشان الانتخابات، بداية الوعي السياسي المحلي هاد، وبتذكر رشا… رشا اللي صرنا صحبة أنا وياها بطريقة غريبة، كانوا يحطوا أغاني أطفال بالإذاعة خلال الفرصة ومرة صرنا نرقص عليهم فجأة ومن وقتها صرنا صاحبات مقربين ودايما مع بعض ونزور بعض، لفترة من الوقت طبعاً. من فوائد المدرسة الابتدائية  إنها بتجهزك للحياة وبتعودك عالفقد، بتعرف إنه كتير من العلاقات ما بتدوم مهما كانت قوية

بتذكر مس آمنة، من أحسن المعلمات اللي درسوني في حياتي، معلمة إنجليزي عراقية، يمكن هي أحد أسباب حبي للعراقيين وكل شي عراقي. هي اللي علمتنا أغنية “بينغو”. الله يذكرها بالخير وين ما كانت

وبتذكر الأغنية اللي كنا نتدرب عليها عشان نغنيها في حفل التخرج، “هيا إلى الصلاة، صلاة، لنعبد الإله، ونبتغي رضاه، في سجدة الجباه”. ونتدرب ونغني ونعيد ونزيد، وأنا وقتها ما كنت بصلي أصلاً، وهاد الإشي استوعبته الآن في هذه اللحظات وأنا عم بكتب. هو نفاق مش نفاق مش عارفة، كنا صغار

بعد الصف الرابع انتقلنا لمبنى المدرسة الجديد، مبنى حلو ونقلة نوعية عن المبنى القديم المتداعي

وللحديث بقية…0

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s