مذكرات مدرسة 3: خامس، سادس

وانتقلنا للمبنى الجديد، وترفعت للصف الخامس

المبنى كان كبير وحلو، خاصة لما يتقارن بالمبنى القديم، عالأقل صار فيه طابقين وزادت الصفوف صار في سابع وتامن، وزاد عدد صفنا -على ما أعتقد- أو إنه حبوا يبربحونا في المساحة، و”البربحة” هي كلمة أردوفلسطينية  تعني التفسح في المجالس ومأخوذة من الكلمة العربية “براح”، والتي استخدمها علي الحجار في إحدى أغانيه مؤكداً أن أحلى عيشة هي عيشة البراح. شو أخباره علي الحجار بالمناسبة؟ كان صوته قوي، بس ستايله لا يتفق مع المسار اللي كان ماشي فيه الفن باتجاه الهاوية.  بنت جيراننا كان مطربها المفضل علي الحجار، أعتقد هي الوحيدة في الأردن ويمكن في بلاد الشام، وهي أول من عرفني على أغنية “جفنه علم الغزل”، ما هوعلي الحجار غناها كمان. المهم، مش موضوعنا… ومن العلم ما قتل

كنت بقول إنهم حبوا يبربحونا في الصفوف على ما يبدو قاموا فصلونا صفين، صف خامس بنات وصف خامس اولاد. وكوننا كنا تسع بنات فقط لا غير حطونا في صف صغير مالوش شباك، بس كان مفتوح على الساحة الداخلية مباشرة (ما هو صار عنا ساحة داخلية، آو ولا!) وكنا مبسوطين والحق يقال، أول مرة بنجرب نكون بنات لحالنا في الصف. طبعاً في حصص كانوا يجمعوا فيها الصفين مع بعض فما عدمنا زناخة الاولاد، وإنتوا بتعرفوا الأولاد في سن العشر سنوات قديش ممكن يكونوا زنخين. بس كان ماشي حالهم صراحة، زناختهم تفجرت في الصف السادس فعلياً، وتبيان هذا سيأتي لاحقاً إن شاء الله إذا كملتوا قراءة وتوقفت أنا عن الاستطراد

المهم، يمكن الصف الصغير والخصوصية اللي حصلنا عليها كصف بنات غيرت شخصيتي 180 درجة. البنت الهادية الساكتة تحولت لفتاة منطلقة كتيرة حكي ومزح وشخصية قيادية إلى حد ما. يمكن هاي شخصيتي الحقيقية اللي كانت مخبية ورا جدار الخجل. المهم إنه الصف الخامس كان ممتع كتير، وحلو كتير، خاصة إنه المعلمات اللي درسونا من أكتر المعلمات اللي لحد الآن بتذكرهم.

الصف الخامس شهد أول محاولة إلي في الكتابة. كتبت قصة قصيرة عن طفلة بتروح في رحلة بين الكواكب، وورجيتها للمس أمل معلمة العربي وخلتني أقرأها قدام الصف وقرأتها للمعلمات التانيين وصاروا يمدحوا في القصة وكذا، يعني كبر راسي شوي  بس صراحة كان إشي مشجع جداً. حاولت أكتب قصة قصيرة تانية ولما وقفت أقرأها قدام الصف خلتني أمزعها بعد ما بلشت قراءة بشوي. الغريب إني ما حسيت بالإحباط أو استحيت، كإني كنت عارفة إنه القصة سيئة. وقتها تعلمت درس لساتني بتعلمه لحد الآن وهو إنه الكتابة ما بتيجي غصب، لاوم تكون نابعة من القلب والكلام يطلع لحاله عالورق، وإنه فش فيها مجال للمجاملات. يعني المس أمل إلها فضل علي لازم أعترف فيه، وهلأ لأول مرة خطر ببالي إنه يمكن هاد الإشي كان سبب في إني سميت بطلة أول رواية كتبتها أمل، يمكن العقل الباطن شاف شغله. يا ريت لو أعرف أراضيها وأوديلها نسخة. مش متذكرة اسمها الكامل حتى، متذكرة إنه كانت عندها مشكلة في الإنجاب على ما أعتقد، إن شاء الله يكون ربنا رزقها

الصف الخامس شهد كمان الكراش الثاني في حياتي، وآخر كراش في أيام المدرسة. لا أخفيكم إني كنت سطحية إلى حد كبير هديك الأيام لأنه الولد اللي أعجبت فيه كان حليوة، زي اللي أعجبت فيه بالصف التمهيدي بس أحلى، وبتقدروا تقولوا “طبق الأصل العلقة اللي فاتت” على رأي سعيد صالح/سلطان السكري الله يرحمه، برضه ما حكيت معاه طول السنة والحوار الوحيد اللي صار بيننا كان لما وقعت برايتي – اللي كانت على شكل بيت- ورجعلي إياها. وهادا يوم وهداك يوم. ولا حرف بعد كدة. والناس بستغربوا ليش طولت وأنا سينغل، ييجوا يشوفوا. عليم الله لو كنت عل زمن فرويد لعملي تمثال، أنا شاهد حي على نظريته القائلة إنك لما تحب إشي بتصير تتصرف نحوه بسلبية خوفاً من عدم قدرتك على الحصول عليه، النظرية اللي نسفها الفيلم الأمريكي التجاري “هيز نات ذات إنتو يو” نسفاً شاملاً، وفرويد يتقلب في قبره

والصف الخامس شهد حدث مهم آخر وهو إني لبست نضّارة طبية. فعلياً كان لازم ألبسها من الصف التاني، بس وقتها لما رحت على فحص النظر اطلع علي الفاحص وقال: هاي شكلها بدها نضارة. خبرة! فأنا عشان ما ألبس نضارة حفظت لوحة الفحص وسمعتله إياها. وبتذكر ملامح وجهه لحد الآن، مش مقتنع إنه نظري سليم بس مضطر يقول إنه ما عندي إشي. بس بعد 3 سنوات كل شيء انكشفن وبان، ولبست المضارة عن طيب خاطر. طلع عندي طول بالعين اليسرى، وفصلولي نضارة لونها زهري شفاف كبيرة شكلي فيها زي المحقق كونان. بس ولا كانت فارقة عندي، ولا كنت أتنكد منها، اللي عليك عليك، بينما بنت أختي لما لبست النضارة بصف تاني كان لازم نقعد معها ونقنعها إنه عادي وإنه شكلها حلو بالنضارة وقلتلها إنه أنا كمان كنت ألبس نضارة وأنا صغيرة، هادا غير إنه عندها مليون نضارة بأشكال وألوان مختلفة عشان تلبق على الأواعي، كل شي ولا أناقة الست غزل

واولاد وبنات صفي كانوا متعاونين، ما حدا تخوت علي أو ضحك على شكلي بالنضارة. حتى إنه ولد من اولاد صفي في محاولة بائسة غنه يكون لطيف بالغ وزودها وعك بالحكي لما قالي: بتعرفي إنه شكلك بالنضارة أحلى من بدون نضارة؟ قامت صاحبتي قالتله لأ مش مزبوط! يعني هادا مثال عشان تشوفوا الفرق في الوعي بين الاولاد والبنات في سن العاشرة. صراحة مش متأكدة هاد الموقف صار لما لبست نضارة ولا لما وقع على وجهي والشنتة فوق ضهري وتشوهت مؤقتاً وأنا في صف تالت، بس لو كان حكالي إني أحلى وأنا مشوهة بكون أسخم وبكون الولد لطخة عالآخر، فبفضل إنه يكون وقت النضّارة

في الصف السادس رجعنا صف مختلط، وكان صفنا حلو، في الطابق التاني وإلو شباك كبير وإطلالة جميلة كونه المدرسة جاي على جبل.

بدأ الصف السادس بداية لطيفة. طبعاً كونه عيد ميلادي في الأول من سبتمبر فكان ييجي دايماً مع فتوح المدارس. ووقتها قرروا بنات واولاد صفي يعملولي سيربرايز بارتي. طبعاً أنا كنت عارفة لأنه كان كتير واضح الموضوع، بس عملت روحي مش واخدة بالي. كانت أول مرة حدا بيعملي مفاجأة في عيد ميلادي، قبلها كانوا أهلي يحتفلوا فيي بس بدون مفاجآت، وعجبتني الشغلة صراحة. وانعملي مفاجآت كتير بعديها بس معظم الأحيان كنت أكون عارفة طبعاً لأنه احنا شعب مش كتير “ديسكريت”0

الحق يقال لو ما كنت عارفة إنهم عم بخططوا لعيد ميلادي كنت رح أتدمر نفسياً، لأني كل ما كنت أحاول أسأل شو عم بصير يحكولي ما إلك دخل. منيح اللي كنت عارفة صراحة

بس لا يغركم اللطافة هاي، كان عنا كمية زناخة ونفسيات تليق بالصف السادس ألف (ما كان في شعبية تانية فعلياً بس أحلى مع رمز الشعبة). طبعاً الصف السادس هو فترة ما قبيل المراهقة، وما أدراك ما هي فترة ما قبيل المراهقة. كانت هواية اولاد الصف ينبشوا ورا البنات ويعرفوا إذا كانوا معجبين بحدا عشان يهروهم مسخرة ونكش مخ. زنخين بقولكم زنخين! بتذكر في واحد من اولاد الصف غاب فترة ورجع مقلوب 180 درجة، فجأة صار الشب الجنتل وهالحركات، وكان معجب بوحدة بالصف وضل داير وراها عشان يصاحبها وهي ترفض، وكان محترم جداً ويجيبلها هدايا وهي ما تقبل، فالبنت يا حرام عشان تخليه يحل عنها قالتله إنها بتحب ابن خالتها، وعينك ما تشوف إلا النور! فجأة تحول الشب الجنتل لذئب بشري وفضحها بين اولاد الصف. وشوف المجتمع الذكوري القميء، هو ضل داير وراها وبده رضاها وما حدا تخوت عليه لأنه عادي الشب يحب ويذل نفسه، أما البنت إذا شموا خبر إنه في حدا ببالها راحت عليها. زنخين!

أنا ما كنتش أحب حدا وقتها، بس بشكل ما تسربلهم خبر إني بحب واحد من برا المدرسة، وأنا لا بحبه ولا بعرفه حتى، كل ما في الموضوع إنه بنت خالتي كانت تحبه وقالتلي حبيه معي، وأنا من باب العقل والمسايرة قلتلها ماشي. علي النعمة ما كنت أعرف كيف شكله

بس مش هاد الموقف اللي برزت فيه زناختهم وأذاهم، اولاداً وبناتاً لأنه البنات كمان ممكن يكونوا مؤذيين. الموقف اللي أثر فيي أكتر شي وأزعجني أسوأ. مرة كنا في الساحة وكنت أنا راكبة على المرجيحة، فإجا واحد من اولاد الصف اللي إجوا جديد عالمدرسة – يعني بعد ما لبست النضارة- وقاللي: أدزك؟ قلتله آه. أطفال وبنلعب. صار يدزني وبعدين سألني ليش لابسة النضارة، بالحرف سألني: شو مالهم عيونك؟ بس. لا أكثر ولا أقل. ووحدة من بنات الصف المؤذيين سمعت الحوار وحبت تضيف بهارات من عندها وراحت صارت تحكي للكل إنه الولد سألني: شو مالهم عيونك الحلوين. وصارت قصة وفضيحة، أنا شخصياً تصرفت فيها بهدوء تام وكإنه الأمر لا يعنيني، بس كنت بغلي من جوا. طبعاً أنا هلأ بحكي القصة عادي بس ممكن تتخيلوا موقف زي هيك شو معناه لبنت عمرها 11 سنة. لا والمشكلة إنه البنت المؤذية هديك كانت صاحبتي، وضلت صاحبتي، صحبة الإخص

بس الأذى ما كان من الطلاب بس. المديرة كان عندها ولد وبنت، يمكن كانوا في أول العشرينات وقتها، وما كان إلهم وظيفة معينة في المدرسة -حسب علمي- يعني ما كانوا أساتذة مثلاً، لكن كانوا دايرين في المدرسة يصرخوا ويبهدلوا ويضربوا على كيفهم، بأي صفة؟ اولاد المديرة وصاحبة المدرسة، يعني مزرعة اللي خلفتهم بمعنى آخر، نموذج مصغر للدول العربية. زي القذافي واولاده بلا تشبيه. ما بنسى مرة كان في ولد أبصر شو عامل لكن ابن المديرة ارتأى إنه بستاهل يتعاقب والعقاب كان عبارة عن سلخ على اليدين بعصا من خشب. كان الولد يبكي ويترجى وابن المدرة واقف بصرخ وبقوله افتح إيدك ونازل فيه سلخ. فيلم رعب. بحب أقولكم إنه ابن المديرة كبر وصار نصاب كبير

لكن انتهت السنة بسلام والحمد لله، بدون أحقاد، وطلعت من المدرسة كلها وانتقلت لأول مرة لمدرسة حكومية

المدرسة الحكومية بكيت لما دخلتها، وبكيت لما طلعت منها

وللحديث بقية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s