مذكرات مدرسة 5: تاسع، عاشر

وطلعت من المدرسة الحكومية ورحت على مدرسة الثقافة العسكرية. للتوضيح، مدرسة الثقافة العسكرية مدرسة عادية، يعني مش معسكر جيش ولا بنروح نتدرب على مناورات وتكتيكات معارك. هي في النهاية مدرسة حكومية لكن الفرق إنها تابعة لوزارة الدفاع مش وزارة التربية والتعليم، وكمان لبسها يختلف، يعني ما كنا نلبس مراييل خضرا وزرقا زي مدارس الحكومة العادية، كنا نلبس قمصان بيج وفوقيها “سندويشات” تنانير لونها زيتي للمرحلة الابتدائية والإعدادية، وكحلي للمرحلة الثانوية مع قمصان بيض. اشمعنى؟ ما بعرف صراحة، أنا كنت أفكر زمان إنه ما بيقدر يدخلها إلا أبناء العاملين في الجيش، بس أنا دخلتها وأنا لا أمي ولا أبوي عسكريين، وكان في متلي كتير.

المهم، انتقلت على عيني طبعاً زي ما حكيت المرة الماضية، غصب عني يعني. كنت أحب المدرسة التي كنت فيها ومبسوطة وعندي جوي الخاص، فالانتقال لمدرسة تانية بالنسبة إلي كان تراجيديا. بتذكر كنت أطلع على سطوح البيت أقعد على المرجيحة وأسمع أغاني وأطّلع عالقمر وأنا حزيييييينة… لو بحب مش هيك. كنا أطفال، ما حسبتها في مخي إنه هناك ناس وهون ناس، والواحد بتأقلم وبتكيف وبتعرف على ناس جداد، بس خلص كانت مسكرة معي.

وانتقلت عالمدرسة، ولحسن حظي والحمد لله كان في ناس بعرفهم، إما منتقلين من مدرسة الحكومة معي، زي روان (بتتذكروا روان؟ اللي كانت معي بالتمهيدي) أو ناس كانوا معي في المدرسة الخاصة ورجعت التقيت فيهم هون، يعني كان في ما يخفف من صعوبة الموقف. لكن حقيقة ما انغلقت على حالي واكتفيت بالناس اللي بعرفهم، فعلياً ما كنت أشوفهم كتير، روان مثلاً كانت بشعبة تانية، وكانت أطول مني بكتير، إذا لاحظتوا غالباَ الصداقات في المدرسة تُحدد – بشكل عفوي- حسب الطول، فكان لازم ألاقي صاحبات من طولي – عشان نقدر نقعد جنب بعض- وعقلهم يركب على عقلي بنفس الوقت.

ما بعرف إذا كنت مدركة لهاد الإشي بشكل واعي لما صرت صحبة مع آلاء. كانت هي جديدة كمان، وكانت قاعدة جنب بنت تانية، وأنا كنت قاعدة جنب بنت تانية، خلال فترة قصيرة كتير، يمكن خلال يوم واحد، ضربت صحبة مع آلاء وخليتها تبدل مكانها مع البنت اللي جنبي. بصراحة بعترف إنها كانت حركة حقيرة شوي لأني شبه خطفتها من صاحبتها اللي كانت قاعدة جنبها، ما كانوا صحبة كتير بس بدايات يعني، وأنا قطعت عليهم الطريق، وأعتقد إنه البنت اللي كانت جنبي كمان تضايقت، كانت بنت طيبة ولطيفة، بس كنا غير عن بعض. هاد اللي صار، بدلنا أماكن، وبلشت صحبتنا أنا وآلاء. كانت زيي في كتير أشياء، مش هاملة بس مش نيردة، خيالها واسع، بتحب الكتابة والرسم، مش نكدة، يعني كانت صحبة موفقة. والتمينا على لانا وإسراء، بعرفش متى أو كيف بس إنه صرنا قاعدين الأربعة في درجين ورا بعض، واندمجت في المدرسة ومشي الحال، مشي كتير منيح.

صاحباتي هدول كانوا شاطرين ومثقفين وعقولهم كبيرة، لدرجة إنه مرة شفتهم بالساحة عم بتناقشوا نقاش حاد فأنا رحت أفزع،  قلتلهم إيش فيه؟ ولا وحدة فيهم بتقوللي بغضب: الشاعر يُولد أم يُصنع؟… بس، هاي كانت المشكلة. بتذكر يومها كنت رح أنجلط، بس بنبسط لما أفكر إنه هدول الناس اللي تربيت بينهم في فترة المراهقة

الصف التاسع كان أول صف بتتقسم فيه مواد العلوم لكيمياء وفيزياء وأحياء. وأنا كنت بكره الكيميا والفيزيا، ووجود كتاب منفصل لكل مادة فيهم كان كارثة، بس كنت بحب الأحياء، وليسجل التاريخ إني الوحيدة في الصف اللي جبت 100% بالأحياء هديك السنة، أما الكيميا والفيزيا فمش موضوعنا، مع إني اكتشفت بس كبرت إني بحب أقرأ كتب عن الكيميا والفيزيا، بس القراءة اللامنهجية شيء مختلف تماماً، عشان هيك لازم الأطفال يتشجعوا يقرؤوا أكتر، لأنه المدرسة ممكن تكرهك بأشياء كتير إنت حقيقة ما بتكرهها

بالصف التاسع حبيت العربي عن جد. كان عنا معلمة شخصيتها غريبة شوي أو قوية كتير، مش عارفة كيف أصنفها، المعلمة اللي يا بتحبها يا بتكرهها، يا إما ما بتعرف تحبها ولا تكرهها، بس اللي بعرفه إنها حببتني بالعربي، أحسن معلمة عربي مرّت علي. حببتني بالشعر، كانت تخلينا نحفظ القصيدة كلها، أو عالأفكار، وأنا ما كنت أعرف كيف يعني عالأفكار فأحفظ القصيدة كلها. مرة رجعت عالبيت أحفظ القصيدة اكتشفت إني حافظتها من الشرح في الصف. كمان أعطتنا “ألوان البديع”، السجع والطباق والجناس، إلخ، واللي كان المفروض ناخده بعد سنة أو سنتين. كانت رهيبة صراحة. في هديك المرحلة تشكل بوعيي إني بحب العربي والانجليزي أكتر من باقي المواد، اللغات يعني

وبتذكر مرة أنا وآلاء قررنا نعمل مقلب بلانا، صرنا نكتب رسائل – بعد تغيير خطنا طبعاً- ونحطلها إياها بالشنتة. تهديدات وأشياء زي هيك. وطوّل المقلب شوي، بعدين بالآخر لانا أعطت رسالة من الرسائل للمعلمة اللي قالت إنها رح توديها لخبير خطوط. واحنا صدقنا ومتنا رعب! مش متذكرة شو صار بعدين، بس إجت سليمة. هو حدا فاضي يقعد يحلل خطوط بنات بتزانخوا

بتذكر كان في عارضة مرمى حديدية في الساحة، كنا أنا وآلاء نتمرجح عليها (وهذا شيء مشترك آخر، كنا قرود). ومرة من المرات غسلت إيدي وركضت أتمرجح كالعادة وتزحلقوا إيدي ووقعت عالأرض على طريقة الـ”كراش لاندينغ”. طبعاً ضلينا نتمرجح حتى شافتنا المديرة ورشتنا بهدلة مسحت فينا الأرض.

وكانت عنا أفكار غريبة. أنا وآلاء كان وزننا 45، ومع ذلك كنا كتير مهتمين بقصة الوزن والرشاقة. مرة قررت إني أعمل دايت رهيب، بعرفش ليش بالزبط، الدايت الرهيب كان إني ما آكل إشي، ولا إشي حرفياً، لحتى تخلص السنة – كان ضايلها شهرين-. خلص بدي أعيش على المي. يومها رجعت عالبيت أكلت لقمة خبزة ولبنة ولقمة إشي تاني، يعني حوالي 30-40 كالوري – هدول بدي أعيش فيهم شهرين-. وما أكلت إشي لبقية اليوم، وتاني يوم صحيت ورحت عالمدرسة وما أكلت إشي. طبعاً كما هو متوقع ما خلص الدوام إلا وأنا على وشك الانهيار. روحت عالبيت كانت إمي عاملة مفركة بطاطا وبيض وكبدة دجاج وأشياء زي هيك، وطبعاً الشعور كإني موبايل خلصت بطاريته وحطيته بالشحن. ووقفت الدايت الخرافي إلى غير رجعة

يعني الصف التاسع كان حلو، حلو كتير، الصف الوحيد اللي خلصت السنة وأنا مش زهقانة من المدرسة -بعد الجلوس عالسطح والبكاء مع الموسيقى والقمر-

الصف العاشر زي ما كانت الفكرة السائدة آنذاك كان صف الهمالة،فستق فاضي، سنة ملهاش داعي قبل المرحلة الثانوية، ومن هذا المنطلق ومن منطلق إنه الواحد بزهق يضل يدرس ويحرت كذا سنة ورا بعض قررت إني إنها تكون سنة همالة – من ناحية الدراسة بس، لا تفهموني غلط.

كنا أنا وآلاء قاعدين بالدرج الأخير – ما بعرف كيف زبطت معنا- ولانا إسراء قدامنا. طبعاً ضحك ولعب وهبل، حتى إني لأول مرة بحياتي صرت أغش وأغشش عادي، لأنه كان الوضع مسخرة بالنسبة إلي. بتذكر مرة كان عنا امتحان مش عارفة شو هو، وكان الوضع سايب، وآلاء كانت تغششني وأنا مش سامعة، بالآخر زهقت وأخدت ورقتي وجاوبتلي السؤال ورجعتلي إياها. أنا ما بقول إنه الغش إشي حلو، بس هاد ما كنا نحس إنه غش أصلاً لأنه ما كان فارق معنا العلامات ولا الامتحانات. مرة أخدنا امتحان رياضيات كل الصف خبص فيه، يوم تسليم الاوراق كان مهرجان، أنا وآلاء جبنا 15 من 30 وعلقنا ارواقنا على لوح الدبابيس

بس ما كنّا همل عالآخر، كنا مبدعين إلى حد ما، في دفتر موجود عندي لحد هلأ فيه رسومات وكاريكاتيرات كنا نرسمها أنا وآلاء ومرات نسمح بمساهمات خارجية. أيام روقان فعلاً

لكن، الجانب الآخر من شخصيتي كان إني العقلانية اللاعاطفية اللي كل شي بالنسبة إلي تفاهات وحكي فاضي. وهاي الصورة استمرت معي حتى كبرت، وصار موقف بصف عاشر مش رح أقدر أحكيه وتكرر لما كبرت وصرت أشتغل مع أكتر من حدا، فهمت منه إنه الناس بفكروني إنسانة بلا إحساس أو بعمل كبت عاطفي للي حولي.

بصف عاشر عملت حادث مع أهلي بالسيارة واحنا راجعين من الكرك، كنا رايحين نوصل أختي على جامعتها. نتيجة الحادث صابني شعر في الكتف فغبت عن المدرسة تاني يوم. لما وصل الخبر المدرسة طبعا صاحباتي تأثروا وكذا، وبعدين إجت بنت من الشعبة التانية بتقولهم: مين البنت اللي ماتت بصفكم؟ وآلاء صارت تصرخ عليها إنه ما تحكي هيك… يعني شوية دراما وشائعات. المهم، لما رجعت عالدوام قالتلي آلاء: “بتعرفي إنه يومها قبل ما أعرف جيت عالمدرسة وقلتلهم إيدي بتوجعني مش عارفة ليش، وبس عرفنا قلتلهم يمكن هاد تخاطر، بس علا ما بتآمن بهاي الأشياء بتقول عنها تفاهات”. فأنا هزيت راسي وقلتلها آه. بس هيك. فعلاً إني كنت بلا إحساس وآلة كبت عاطفي.

بس اللي قهرني يومها إنه راحت علي الحصة اللي شرحنا فيها قصيدة الحمى للمتنبي، كنت بستنى هاد اليوم من الصف السابع. مش مزح، عن جد بحكي. وأنا بصف سابع خلصت دوامي بكير ورحت حضرت مع أختي حصة عربي، وكان عندهم شرح قصيدة الحمى للمتنبي، وقامت بنت قرأتها بلحن وصوت رائعين، والشرح دخل مخي وفهمته وحفظته، وحبيت القصيدة من يومها. فلما صرت صف عاشر صرت أستنى حصة العربي، خاصة إنه معلمتنا كانت زي ما حكيتلكم، قلت بدي أبهرها. بس ما كان في نصيب. على كل حال من منظور آخر ممكن أقول إني حضرت الشرح قبل 3 سنوات عشان ما يروح علي يوم ما أغيب بسبب الحادث، حكمة ربنا

زي ما حكيت، الصف العاشر كان همالة وكنت مهملة في معظم الحصص، باستثناء العربي والانجليزي، بس كنت ناسية إشي مهم: اجتماع الأهالي.

كل سنة كانوا إمي وأبوي يروحوا عاجتماع الأهالي ويمطروهم المعلمات بالثناء والمديح وطبعاً كأم وأب فخورين بحسوا بالانتصار. لكن يوم اجتماع الأهالي بالصف العاشر كان حاجة تانية خالص. يومها أمي ما كانت ناوية تروح، قالتلك مش ضروري، كل سنة نفس الحكي، فش داعي أروح أسمع قصائد الثناء والرضا والإعجاب. وأنا اطمنت، قلتلها آه ما في داعي تروحي. لكن جارتنا الله يسامحها كانت بدها تروح، قالتلها إمشي معي، قامت أمي راحت، ولما رجعت عينكم ما تشوف إلا النور…0

ضلت إمي تحكي وتبهدل وأنا ساكتة مش مسترجية أحكي إشي. ” اسود وجهي! كل المعلمات بحكوا إنه مستواكي نازل، إلا معلمة العربي والانجليزي وحتى معلمة العربي حكت إنك مش زي السنة الماضية… انخزيت! بطّلت عارفة شو أحكي” وأشياء من هذا القبيل

فبعديها انعدلت شوي، عيب يعني

حاسة حالي تركت أشياء كتير مش محكية من هاي الفترة بس مش كل شي بينفع ينحكى، خاصة إنه في أشياء بتتعدى على خصوصية بنات ما زلت على علاقة فيهم، يعني لو إنها رواية الواحد بيحكي كل شي بأسماء مستعارة وخلص

وخلصت السنة وأنا على أساس بدي أضل في هاي المدرسة، وارتحت وانبسطت، وإذا به خلال العطلة الصيفية بفاجؤوني أهلي بإنهم بدهم ينقلوني على مدرسة خاصة، وكالعادة ما في مجال للموافقة أو الرفض، بدك تروحي على المدارس العالمية يعني بدك تروحي

وللحديث بقية

2 responses

  1. those by far were my two favorite high school years, but wait aren’t you missing the conundrum of the segregation of minds post عاشر science based versus what have you . it was the primary concern of many sophomores

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s