مذكرات مدرسة 6: توجيهي

وبعد ما اطمئنيت إلى إني رح أضل في مدرستي نفسها في المرحلة الثانوية، ألقى علي أهلي قنبلة في أحد أيام العطلة الصيفية وخبروني إنهم بدهم ينقلوني على مدرسة خاصة، وطبعاً كالعادة أنا ماليش رأي في الموضوع ومهما فعفطت واعترضت ورفضت بدي أنتقل يعني بدي أنتقل. وأنا مش عم بشكي على فكرة، بالعكس، الآن بالنظر إلى الوراء بشوف إنه هيك الصح، وإنه الأهل في مرحلة معينة من عمر أبناءهم لازم يتخذوا القرارات اللي بشوفوا إنه فيها مصلحتهم، لأنه المراهقين والأطفال إذا انتركوا لحالهم ممكن ياخدوا قرارات غبية وبس يكبروا يلوموا أهاليهم عليها، فمن الأفضل ينشكموا على بكير. وأنا إن شاء الله هيك رح أعمل في اولادي، وإذا كانوا اولادي المستقبليين المحتملين حالياً عم بقرؤوا هاد الكلام بعد التنكيش في الأرشيف فبقولهم لا تغلبوا حالكم مش راح تلاقوا مماسك علي، لا شيء أخجل منه بين هذه السطور، ونعم أنا أؤمن بسياسة القمع في بعض الحالات وعشان هيك أنا ال نقلتكم من مدارسكم ويمكن كمان رحلتكم على بلد تاني، فسكروا هاللابتوب (أو جهاز تاني تم اختراعه في المستقبل) وروحوا اقرؤولكم كلمة تنفعكم. وإذا أنا كنت متوفية فاعتبروها رسالة من وراء البرزخ، وبقولكم إني بحبكم كتير (أعتقد) وي اريت لو واحد فيكم طلع موهوب وعنده ملكة الكتابة يستحي على وجهه ويألف رواية يعملني بطلتها ويسميني كارولين للتمويه

المهم…

انتقلت للمدارس “العالمية” اللي كانت قريبة من بيتي وكانت جديدة نسبياً، يعني صارلها 5-6 سنين بس. وطبعاً نفس اكتئاب المرة الماضية على أكتر شوي. كنت أقعد في درجي ساكتة وأضل أرسم عيون وحواجب حتى إنه بنات صفي اللي صاروا صاحباتي لاحقاً اعترفولي إنهم فكروني مريضة نفسياً. وبتذكر قد ما كنت مش طايقة المدرسة أول كم يوم إني مرة هربت قبل ما يخلص الدوام، فعلياً كانت محاولة هروب جماعية بس أنا الوحيدة اللي نفدت لأنه بقية بنات الصف حاولوا يهربوا بالباص كونه بيوتهم بعيدة وطبعاً انمسكوا ورجعوهم عالصف، أما أنا فهربت مشي ورحت على مدرستي القديمة زرتها. في نكهة خاصة لزيارة مدرستك القديمة بعد ما تنتقل لمدرسة تانية، بتحس حالك زائر من الفضاء.

المهم، سلكت أموري في المدرسة وكونت صداقات كتير، وعلى فكرة، بتتذكروا روان من الصف التمهيدي؟ برضه انتقلت معي عالعالمية وبالنهاية تخرجنا منها، بس هي كانت علمي.

الأول ثانوي مرق خفيف لطيف، بس يمكن الإشي اللي مش لطيف إني مرقت بمرحلة صرت شبه متنمرة. يعني إذا بشوف وحدة لابسة إشي مشرشح سواء في المدرسة أو برا واحنا في رحلة مدرسية مثلاً، كنت أتخوت عليها بصوت مسموع وما يهمني. نذالة وقلة إحساس بصراحة. لكن هاي المرحلة انتهت والحمد لله  قبل نهاية الصف الأول الثانوي، ما بعرف كيف أو ليش بس ضميري صحي. الحمد لله

بنهاية الصف الأول الثانوي تعرفت على ندى، كان بضحك كيف تعرفنا على بعض، إجت بتقولي إنها سمعت إني عايشة في إسكان الضباط وإنها هي كمان عايشة هناك من أكتر من عشرين سنة. يعني احنا التنتين عايشين هناك من واحنا صغار وبيتها ورا بيتي وما كنا نعرف بعض. هي كانت بالصف العلمي، وواضح إنها اجتماعية مش زي حالاتي، وأخدت رقم تلفوني على أساس نطلع نمشي مع بعض، قلتلها ماشي. وبعدين بس إجا اليوم اللي بدنا نطلع فيه أنا صابتني حالة التقوقع والخوف من التعرف على أشخاص جداد (كانت الحالة قوية هديك الأيام لكن الحمد لله خفت أو راحت مع الزمن)، وحكيت معها وقلتلها إني اضطريت أطلع مع إمي عشان شغلة. حسيتها زعلت، وبصراحة كانت حركة زنخة مني، بكره إلغاء الخطط في آخر لحظة. بس بعدها بكم يوم حسيت بالذنب وحكيت معها وقلتلها إمشي نطلع، وكونها ندى طيبة واجتماعية انبسطت وقالتلي ماشي ورحت عندها وطلعنا مشينا وتعرفت على أهلها وصارت تيجي عندي وأروح عندها وصرنا صاحبات ورفيقات درب حتى الآن ومرق علينا أيام من مختلف الألوان سوا، عشرة عمر يعني، وهي الوحيدة اللي ضلت علاقتي فيها قوية من بنات المدرسة، الباقي تلفونات وفيسبوك بالكتير ويمكن أشوفهم صدفة أو مرة كل عشر سنين، ولو إني بحبهم وبتمنى أرجع أشوفهم. بس أنا وندى إلنا تاريخ مع بعض، كنا بالمدرسة سوا وأخدنا معهد عربي سوا  ورحنا على نفس الجامعة، وياما كنا نطلع سوا نضل دايرين بالساعات، مش عارفة شو كنا نعمل بس كنا نتسلى. حالياً هي انتقلت للكويت مع زوجها وابنها، فش إشي بضل زي ما هو

ثم جاء هادم اللذات ومفرق الجماعات: التوجيهي. فعلياً ما انهدمت لذاتا ولا تفرقت جماعاتنا، بالعكس كانت سنة التوجيهي حلوة بالمدرسة وكنا نضحك كتير، خاصة إنه احنا صف الأدبي يعني بالعادة بكون أهمل من العلمي صف الدريسين. وأنا شخصياً ما كنت خايفة، وكنت أدرس، يعني عكس معظم الناس ما كانوا أهلي يبهدلوني عشان أدرس، بالعكس كانوا يبهدلوني عشان بدرس كتير ولازم أرتاح

لكن اللي نكد علي بالتوجيهي هو حالة الاكتئاب اللي صابتني تدريجياً. يمكن كنت متوترة داخلياً بس مش مدركة التوتر اللي أنا فيه فظهر على السطح بأشكال أخرى. يعني بالتوجيهي كانت اول مرة بحياتي بصير أنام بالنهار، ما هو الاكتئاب مع الدراسة بهد الحيل، حتى بتذكر إني بالتوجيهي نمت أحلى نومة بحياتي، الدنيا برد بس شمس والبيت هادي، تركت الكتاب وغطيت في نوم عميق مش عارفة كم ساعة.

حتى بطلت طايقة أروح عالمدرسة، ومنيح إنه كانوا راخيينلنا الحبل كطلاب توجيهي فما كنت اهتم متى أروح ومتى أرجع، حتى إني مرة رحت الحصة الرابعة وروحت الحصة السادسة، ولا حدا سألني وين رايحة. ومرة جينا علحصة الاولى بعدين حكولنا فش عندكم إشي للحصة الرابعة، اعملوا اللي بدكم إياه. حملنا حالنا أنا وصاحباتي التنتين ورحنا على بيت وحدة منهم، ومع إنه ما كان قريب كتير بس خلال هاد الوقت القصير رحنا وقعدنا في بيتها شوي وعملتلنا إمها فطور فاخر لهلأ أنا شبعانة منه ورجعنا قبل ما تبدأ الحصة كمان. حسيت الوقت في بركة عجيبة وكان هداك اليوم من أحلى أيام المرحلة

حالتي كانت عويصة بصراحة وغلبت أهلي معي كتير، ونصحت وزاد وزني أكتر من 10 كيلو، وبالآخر بطلت عارفة حتى أدرس. يعني الحمد لله امتحانات الوزارة كانت فصل واحد لأني اعتمدت كتير على الدراسة اليومية اللي درستها في الفصل الأول، نادراً ما كنت أروح عالامتحان خاتمة المادة أو نايمة منيح، ومرات أختمها على باب القاعة. في دروس بالدين والجغرافيا ولا كنت أعرف عنها إشي، واستخدمت ملكة التأليف في الامتحانات طبعا. بس أحلى إشي كان وقت امتحان الانجليزي، كونه الانجليزي لغة مش مادة تندرس وتنحفظ بصم، فكان المفروض أراجع القواعد والمعاني بس، لكن أنا كنوع من الاسترخاء قررت أقرأ النصوص في الكتب كمان، بطر بعيد عنكم، وما صحيت إلا الساعة 7 الصبح والكتاب فوق وجهي، راجعت المعاني والقواعد عالسريع ورحت. يا ريت كل الامتحانات زي هيك. آخر امتحان كان امتحان الدين وكان معنا 4 أيام ندرسه، وكنت لحالي بالبيت وبالآخر كإنه ضرب فيي فيوز، حطيت الكتاب على جنب وقمت أدبك لحالي، ما بعرف ليش

بصراحة يوم ما خلصت امتحانات كان من أحلى أيام حياتي. بتذكر إمي وأنا رايحة عالامتحان قالتلي: “بدي أعلي صوت التلفزيون أسمّع الجيران!” كونه أهلي ما كانوا يفتحوا التلفزيون وأنا بدرس لأني كنت أدرس في غرفة القعدة وأسكّر نص البيت ويقضوها هم مساكين في غرفة إمي وأبوي على التلفزيون الصغير.

وبصراحة بعد الظروف اللي مرقت كلها كانت صدمة لما طلعت النتائج وطلع معدلي 5ر94. صدقاً ما بعرف كيف جبتهم، كرم رباني، ولا أنا شخصياً كنت متصالحة مع فكرة إنه معدلي يكون بالتمانين أو دفش أول التسعين. بس كان شعور حلو صراحة، رحنا أنا وندى يومها عالمدرسة وشفنا المدير أبو فادي، يومها سألني كم جبت قلتله 94 ونص قام ضحك وأعطاني هاي فايف، كان في حالة تجلي كونه كان في معدلات عالية لا بأس بها في المدرسة

حالة الاكتئاب بلشت تنسحب تدريجياً مع انتهاء التوجيهي، وبتذكر في السنة اللي بعديها لما رجع الشتا وبلشت الدنيا تغيم رجعتلي مشاعر الاكتئاب لأني تذكرت فترة التوجيهي، بس يومها وقفت مع حالي وأخدت قرار إني مش رح أسمح لسنة من حياتي تعمل عندي اكتئاب موسمي طول حياتي، خاصة إني بحب الشتا والجو المغيم، قلت إنه مزاجي وحالتي النفسية ما إلو دخل بالجو، كل حدا بجيب جوه معه، وانتهى النقاش هناك، والحمد لله اجتزت الحالة ورجعت للوضع الطبيعي وبلشت محاولات تنزيل الوزن اللي أخدت فترة بس بالنهاية نزل والحمد لله

وخلصت مرحلة المدرسة اللي حبيتها بكل مراحلها بالرغم من بعض المنغصات. مرحلة المدرسة إلها خصوصية حلوة، صحيح ما فيها استقلالية كبيرة زي مرحلة الجامعة أو استقلالية اقتصادية زي مرحلة الشغل ما بعد الجامعة، لكن فيها راحة بال من نوع خاص يمكن صعب تلاقي زيها بس تكبر ويصير عندك مسؤوليات (باستثناء التوجيهي طبعاً)0

أما التوجيهي فهو مشكلة لازم ينلقالها حل، وواضح إنهم عم بحاولوا  مع التغييرات اللي عم بتصير كل سنة عالنظام بس فش إشي زابط، لسا التوجيهي بعبع ورعب برفرف فوق رؤوس الطلاب والأهالي. لكن لو عرف طلاب التوجيهي شو مستنيهم بعدين وقديش الحياة واسعة ومتشعبة وإنه رح تمرق الأيام ومش رح يصدقوا إنه صارلهم عشر سنين مخلصين توجيهي رح يفهموا إنه لما أهلهم يحكولهم إنها “سنة عادية” فهي فعلاً سنة عادية وبتمرق

المرحلة كلها بتمرق وما بضل منها غير ذكريات وأصوات بنات واولاد في الممرات، وريحة طباشير، وصفوف فاضية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s