صحصح

أبو ربحي يجلس في دكانه، الراديو يصدح بموسيقى مألوفة “صحصح صحصح صحصح صح… مع روتانا”، أبو ربحي لا يأبه بالبرنامج لكنه أكسل من أن يغير المحطة. مترهلاً على كرسيه تأتيه أصوات المذيعتين “رهف” و”ناديا” تلقيان بعض الأقوال الحكيمة المحضّرة مسبقاُ على أنغام الموسيقى، والتي لا يأبه بها أبو ربحي أيضاً. يستجمع قوة كافية ويهم بتغيير المحطة، وإذا به مجرى الكلام يتغير. رهف تتحدث عن “قلة عقل النسوان” وناديا تعطي نصائح للزوجات بأهمية ألا تكون أنانية وعنيدة، بلهجة صارمة تعالمية لا يسع أبو ربحي إلا أن يهز رأسه اتفاقاً معها وثقة في مصدرها، من منطلق “وشهد شاهد من أهله”. تتبع ذلك قصص مختلفة عن رجال يعانون الأمرين من زوجاتهم وأمثلة على أنانية المرأة وإهمالها في نفسها، وأبو ربحي يتمثل صورة أم ربحي بمريول المطبخ محاولاً أن يتذكر آخر مرة “سشورت” شعرها

أم ربحي لم تسمع البرنامج. الراديو في المطبخ وهي تركض بين غرف النوم وغرفة الجلوس لتنهي الترتيب والكنس والمسح قبل عودة الأولاد من المدرسة. تتردد على المطبخ بين الحين والآخر لتفقد طنجرة ورق الدوالي التي سهرت في لفها الليلة الماضية كي تكون جاهزة وقت عودة أبو ربحي عند الغداء لتجنب نكده. تلتقط طراطيش من كلام المذيعتين “لازم المرأة تكون في أبهى حالاتها مهما كانت مشاغلها لأنه الزلمة بحب المرة اللي بتدير بالها عل حالها”. تلمح أم ربحي انعاكاسها في مرآة الحمّام وهي تسلك مصرف المغسلة وتتنهد بحسرة. تنهي أعمال البيت فتسرع إلى ماكينة الخياطة لإنهاء الأثواب التي عليها تسليمها للزبونات مساء اليوم. مع اقتراب موعد عودة أبو ربحي، تطفئ النار تحت الطبخة وتغير قميص النوم القطني الطويل الذي تعشّق رائحة البصل وشرحات اللحم، تحاول لملمة شعرها قدر المستطاع، تتذكر آخر مرة سشورته يوم خطبة بنت أختها قبل شهور، تقول ربما غداً بما أنه ما عندي طبيخ، بينما تحدق فيها أكوام الغسيل في صمت

أبو ربحي يعود إلى البيت، تستقبله أم ربحي بتعب لا تخفيه المساحيق، يتجهم متذكراً الدرر التي سمعها هذا الصباح. “أنا بشر. أحتاج إلى رؤية زوجتي في أبهى طلة. لا أعذار. ماذا كنت تفعلين طوال اليوم؟ أكيد بتطق حنك، حكي نسوان وقلة عقل”. لا يغادره تجهمه حتى حين يرتدي دشداشة البيت وينتفخ كرشه بعد الغداء فيما يلاحظ أن وزن زوجته ازداد مؤخراً، وثوبها القطني المهترئ. ويتذكر أنه بشر، ويتحسر…0

إهداء إلى مذيعتَي روتانا ناديا الزعبي ورهف صوالحة اللي قرفونا تنظير وتنميط للمرأة. فعلاً المرأة ممكن تكون عدوة نفسها، خاصة لما تلبس ثوب التحضر والانفتاح وأفكارها لسا معلقة في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s