نصوص بلا سياق

(1)
الوجوم الذي ساد أجواء العزاء، كل هذا الحزن والدموع السخية والقهوة المنسكبة حداداً وتسرية، وأفواج المعزين لليوم الثالث، كل ذلك أغضبها حتى كادت تختنق بصرخة كتمتها، فأخرجت هاتفها وكتبت رسالة لابنة عمها الجالسة في الجانب الآخر من الغرفة:0
 
“كانت امرأة في التسعين، نهلت من الحياة أكثر مما تستطيع احتماله حتى تاقت إلى الموت، أتستحق كل هذا الحزن المبجل والمئات يموتون حرقاً بالنار ولا بواكي لهم؟”0
 
راقبتها وهي تقرأ رسالتها في تآمر صامت. لم ترفع عينيها عن الهاتف، اكتفت بهز رأسها وراحت أصابعها تتنقل بهدوء على الشاشة
 
اهتز هاتفها. قرأت:0
 
“هذا ما يجب أن يكون. كل روح تغادر العالم تستحق هذا الاحتفاء. الموت يجب أن يكون شخصياً وخاصاً أكثر من أي شيء، هذا ما تقتضيه قوانين الطبيعة. ما ليس طبيعياً هو أن تزهق عشرات الأرواح وتقدم على شكل موت جماعي بلا ملامح محددة، بلا اسم ولا هوية. حزن عام بمقاس واحد للجميع. لقد أفسدوا علينا الموت بقدر ما أفسدوا الحياة…”0
(2)

أي حزن ذاك الذي اجتاحه حين وقعت عيناه على الاسم في جريدة الصباح. ثلاثون عاماً كانت كافية لينسى كل منهما الآخر ويبدأ كل منهما حياة جديدة مع أشخاص آخرين. ثلاثون عاماً كانت كافية لتطفئ جمر الأسئلة، لكنها لم تكن كافية لتقتل ذلك الأمل بداخله بأنه سيراها مرة أخرى ذات يوم. اليوم، حين رأى اسمها – الذي ظن أنه قد نسيه- مسطراً بالأسود العريض تحت كلمات الرثاء وفوق أسماء أبناء لا يعرفهم، انطفأ ذلك الأمل إلى الأبد

(3)

لماذا تدعي كل هذه القسوة؟-

لأن نظرات الاستحقار أهون ألف مرة من نظرات الشفقة…0

Advertisements