نقمة الجمال

أكتر إشي ممكن يسهل حياة البنت إنها تكون حلوة. هاي قاعدة عامة تنطبق على جميع المجتمعات بغض النظر عن تخلفها أو تقدمها، ولو كان تأثيرها يتضاعف في المجتمعات الأكثر سطحية والأقل نزاهة. فعلياً في دراسة انتشرت قبل فترة بتقول إنه الرجل يفقد جزءاً من قدرته على التفكير حين يكون في حضرة امرأة جميلة. وصحيح إنه في دراسات ناكتة وسواليف حصيدة بس هاي الشغلة بالذات مش محتاجة دراسة، يكفي تلاحظ طريقة تصرف الرجال في وجود بنت حلوة، شو ما كان الرجل، سطحي أو عميق، متدين أو مش متدين، إلا حالات استثنائية أو إذا كان لا إربة له في النساء إف يو نو وات آي مين
 
لكن هذا الجمال نفسه اللي ممكن يسهل حياة البنت ممكن يكون نقمة عليها، وهون مش عم بحكي عن الجمال الطبيعي الكيوت، عم بحكي عن الجمال الملفت، اللي بتشوفها بتكون بدك تضل مبحلق فيها ساعة. البنت هاي ممكن تكون موهوبة في كتير أشياء، لكن مواهبها بتضل حبيسة وبتندفن معها بالنهاية لأنها ببساطة مش محتاجيتها. وجهها الحلو وقوامها الممشوق ممشيين أمورها، وممكن حتى يتحولوا لسلعة – مش بمعنى يمس الشرف والأخلاق- وإنما بصيروا هم بشكل من الأشكال الإشي الأساسي اللي بتعتمد عليه في كل علاقات حياتها الشخصية أو العملية. وهاد إشي بتعززه سطحية كتير من الناس في المجتمع وتغذية البنات أنفسهم لهاي السطحية. كم إعلان بنشوف ببحث عن “فتاة حسنة المظهر”؟ ولا تقولي حسنة مظهر يعني مرتبة وبتلبس حلو. وكم من شب حفي وذل حاله عشان وحدة راسمالها إنها حلوة وبتحل عن حبل المشنقة بينما شخصيتها أحسن من الزبالة بشوي؟ كلنا شفنا هاي النماذج. وكم من بنت ما بترضى تطلع من البيت بدون ما تطرش حالها مكياج لأنها بتستحي الناس يشوفوا وجهها الطبيعي؟ كالعادة المرأة تساهم في ظلم نفسها أكثر من الرجال أحياناً
 
بمعنى آخر الجمال أحياناً ممكن يكون عقبة وتحدي أمام المرأة، لأنه مش سهل تستغني عن “المكتسبات” اللي بتيجي معاه وتقرر تثبت نفسها بشكل آخر
 
من الأمثلة على ذلك الممثلة نيللي كريم. نيللي كريم بدأت حياتها المهنية بأدوار البنت الحلوة طبعاً لأنه المخرجين على ما يبدو ما كانوا قادرين يشوفوا أبعد من وجهها الجميل وشعرها الأشقر الطويل وقوام راقصة الباليه. وكان ممكن تكمل هيك، ممثلة حلوة كل سنة بتعمل عملية تجميل شكل وبتطلع بأدوار الزوجة الجميلة وسيدة المجتمع الفاتنة والفتاة اللي بتخانقوا عليها الرجال. لكن نيلي كريم موهوبة، وقررت تستغل موهبتها، فصرنا نشوفها كل سنة بمسلسل مختلف بعرض قضية فئة مظلومة أو مهمشة من المجتمع، مرة عن السجينات مرة عن المدمنين مرة عن المرضى النفسيين، عدا عن أفلامها متل فيلم (نسيت اسمه صراحة) بحكي عن قضية التحرش في مصر. وطبعاً أدوار زي هاي بتتطلب منها تعجب على حالها وتطلع بدون مكياج، وهو إشي ما بتشوف ممثلات كتير -من المميزات بجمالهم- بعملوه. عدا عن إنها طبيعية وواضح إنها مش لعبانة بخلقتها زي غيرها
 
بينما تلاقي ممثلة تانية موهوبة، لكن جمالها طاغي على موهبتها، فبتكون معظم أدوارها المهمة بتدور حول المرأة الجميلة اللي بتنافسوا عليها الرجال أو اللي بتستغل جمالها بطريقة أو بأخرى. يعني متعة للناظرين لكن القيمة المضافة لما تحضر المسلسل صفر تقريباً. ولما تحضر مقابلة من مقابلاتها بتكتشف إنه بنطبق عليها المثل: “تقبرني وهي ساكتة وأقبرها بس تحكي”. وبتكون ممثلة إلها شعبية كبيرة وممكن تكون قدوة لكتير بنات أو ممثلات صاعدات، وهنا تكمن الخطورة. خاصة إذا كاينة بزماناتها ملكة جمال، يعني طالعة من مسابقة محورها تشييء المرأة وقياس قيمتها بالمسافة بين ذقنها وعظم ترقوتها أو نصف قطر عينيها، فشو بتتوقع منها؟
 
ما علينا
 
مرات بفكر كيف كانت حياتي رح تكون لو كنت مثلاً بشبه “لميس” تاعت المسلسلات التركية (مش عارفة كيف بس من باب المبالغة في الخيال والافتراض)، وبتخيل حياتي رح تكون مختلفة بشكل جذري. ما بقدر أجزم إذا كنت رح أكون سطحية وفاشلة أو إذا كنت رح أحذو حذو نيلي كريم. لكن مش مهم، ليست حربنا، بالنهاية بقول الحمد لله إنه خلقني عادية عشان ما أنحط بهاد الامتحان (هاشتاغ المجد للعاديات)، عدا عن إنه الجمال يجذب الذباب سواء كنتي حلوى مكشوفة ولا مغطية، وإلا لما قالت ماجدة الرومي: “ولماذا تهتم بشكلي ولا تدرك عقلي”، ما هو من غلبها
 
أعتقد أن مشكلة تشييء المرأة والنظرة السطحية لها مش رح تنحل ليوم الدين، خاصة لما يكون هاد الإشي معزز بالشعر والنثر، كأن يُعتبر نزار قباني شاعر المرأة، الأمر الذي انتقده مريد البرغوثي قائلاً إنه نزار قباني شاعر ذكوري بامتياز، والمرأة التي في شعره غير موجودة، المرأة الحسناء التي لا تقرأ جريدة ولا تعرف شيئاً مما يحدث حولها، بينما المرأة الحقيقية شعرها مش دايماً مسشور، ووجهها تعبان، واسنانها مش منتظمين، وبتنحب
 
لكن بضل الحل الأساسي بيد المرأة نفسها. لا تستحي تطلعي بدون فاونديشين كل يوم، ولا ترهقي حالك وتكسري ضهرك عشان لازم تلبسي كعب يبينك أطول بشوي، ولا تقبلي واحد شايفك مجرد باربي إلها تم ياكل ما إلها تم يحكي، ولا تحطي كل يوم سيلفي مع الداك فيس وتقعدي تراقبي اللايكات والمديح والغزل الصفيق. ببساطة لا تعاملي جسدك كسلعة، عشان الناس ما يعاملوكي كدمية
 

أنا الآخر

أنا الآخر

أنا ذلك المجهول في عالمك

الرجل الصامت في خلفية الصورة

المرأة الوحيدة في المقهى، بلا اسم ولا رفقة

الفتاة الشاردة على الإشارة الضوئية

سائق السيارة الأرعن الذي شتمت والديه

العجوز الذي ابتسم لك بخجل وهو يبيعك العلكة

تلك الطفلة التي لم تلحظها في الحديقة

والتي ستصبح بعد سنينأماً لأحفادك

الصغيرة التي تخرجت من الميتم

لتبيع الهوى على ناصية الشارع

البائع المتجهم في الدكان

النادل الذي طلبت منه تصوير طاولتك

الشيخ الذي ألقى عليك السلام ولم ترد

والشائب الواقف أمامك في طابور الخبز

أنا الآخر

أنا محور كون مستقل

متن نص أنت فيه هامش منسي

والبطل في حكاية أخرى

أنت فيها… لا أحد

 

المقامة الإذاعية

وذات صباح سعيد، أخرج سلمان مذياعه الجديد، وقد كان اشتراه من السوق يوم الأحد، إذ شعر يوماً أنه لا يعيش في البلد، فهو كما عهدناه يمشي بمحاذاة الجدار، ولا يدري ما يجري خارج زوايا الدار، وليس عنده فيسبوك ولا تويتر، ويعتبرهما ضرباً من البطر. إلا أنه في جلسة ودية، سمع عن البرامج الصباحية، وما تحتويه من أنواع الأغاني، وأخبار القاصي والداني، فوجدها فكرة رزينة، أن يعرف أخبار المدينة

وما أن ضغط على زر التشغيل، حتى سمع صوتاً يشبه الصهيل، وما كانت إلا ضحكة رقيعة، من فتاة يبدو أنها مذيعة. ثم أخذت تتحدث على مهل، وهي تصف النساء بالجهل، وتندب حظ الرجال البائس، وتنعت كل ثلاثينية بالعانس. ثم ذكرت إحصائية مجهولة، حول صفات الرجولة، مفادها أن نصف الرجال يعتقدون في الخفاء، أنهم يفوقون زوجاتهنّ في الذكاء. فما كان من سليمان إلا أن قال بلا عناء: بوركتنّ في الفطنة والفهم، إذ أقنعتنّ أزواجكنّ بهذا الوهم

ولما سئم من هذا الكلام، حرّك المحطات إلى الأمام، فسمع مذيعة تتحدث عن فستان أحلام ، وكأنها استفاقت للتو من المنام، حتى كاد صوتها يصيبه بغفوة، فراح يصرخ: هاتوا لها بعض القهوة. وما لبث أن غير التردد، باحثاً عن بعض التجدد. هنا صدح صوت بأنها أخبار العالم، فاستبشر خيراً، ولم يجد في الأمر ضيراً، فلا يمكنه العيش للأبد في فقاعة، وعليه التحلي ببعض الشجاعة، فاستعد لسماع أخبار الحروب، والضحايا في الشمال والجنوب، وآخر أخبار الحملات الرئاسية، ونتائج البعثات الدراسية، إلا أن المذيع اكتفى بخبر خطير، عن كيم كارداشيان في ثوب قصير

غيّر المحطة من جديد، لعله يجد ما هو مفيد، وعلى إحدى الأمواج، سمع صوت مذيعة مغناج، تتحدث إلى خبير بالأبراج، فراح يعدد الصفات والنعوت، ويوزع الأرزاق والبخوت: فالثور حائر في البرسيم، والجدي مستقبله وخيم، والجوزاء يعاني الكآبة، والقوس يغرق في الرتابة، أما برج الحمل، فليقطع الأمل…

ولما كان من برج الأسد، قرر إغلاق المذياع إلى الأبد، إلى أنه مرّ على محطة أخيرة، مختلفة الوتيرة، فسمع أغنية عن الوطن، أحيت فيه الشجن، فانتظر أخبار المتعطلين عن العمل، والمعتقلين من زمن، واستبشر خيراً واقتنع، بألا يتوقف عن السمع، حتى صدح صوت هادر، يهدد بالمخاطر، ويتحدث عن ضيوف، عددهم بالألوف، ثم يستقبل اتصالاً يحفل بالسباب، ويدعو إلى إغلاق الأبواب، فيقوم بالترقيع، ويتحول إلى حمل وديع، فيتصرف بفطنة، ويدعو إلى درء الفتنة، ثم ما لبث أن عاد للتهميش، وبالغ في التجييش، حتى ظنه يتعاطى الحشيش، وفي غمرة هذا الصياح، شعر سلمان بأن الخطر قد لاح، فكتم الصوت المبحوح، ودخل إلى السوق المفتوح، وخلال لحظات نشر بين الإعلانات اليومية: مذياع للبيع، بداعي الحفاظ على القوى العقلية

قبل كم شهر بلشت أحس بأعراض زي أعراض الجلطة. ضيق تنفس، وخز جهة القلب، أشياء زي هيك يعني، واللي طبعاً مع شوية دراما وبهارات بتحس إنه خلص رح تموت وبتبلش تفكر كيف بدك توزع ممتلكاتك بعدين بتتذكر إنه ما عندك ممتلكات، كبيرك تورث سيارتك للبنك

طبعاً في النهاية اتضح إنه الأعراض كان سببها التوتر والحالة النفسية اللي كنت فيها وقتها، وزالت بزوالها والحمد لله، وأساساً أعراض الجلطة ممكن تتشابه مع أشياء تانية كتير غير خطيرة وحتى الأطباء المختصين ممكن يخربطوا فيها ومش موضوعنا، بس عشان ما حدا يتوسوس فاقتضى التنويه.

المهم، بعد تكرر الأعراض لأيام وفي لحظة من اللحظات  لما صار عندي شك فعلي إنه ممكن تكون جلطة أول إشي حسيت بخوف مباغت، بعدين فجأة لقيت حالي بقول: على شو خايفة؟ أهلاً وسهلاً.

حقيقة أنا تصالحت مع فكرة الموت من فترة مش قادرة أحددها. مش بس لأني ما بعتبر الموت شر ولا نهاية مطلقة وإنه انتقال لحياة من نوع آخر، وإنما لسبب آخر أقل تفاؤلاً، وهو إنه ما عندي إشي يخليني متمسكة بالحياة.

مش قصدي إني ما بحب الحياة ولا إني مش مبسوطة. بالعكس الحياةب النسبة إلي ممتعة وجميلة ونفسي أعيش كمان وأسافر وأشوف أشياء جديدة، لكن ما عندي سبب يخليني أخاف إنه حياتي تنتهي بأي لحظة. يمكن أقوى سبب ممكن يخليني أتمسك بالحياة هو إمي وأبوي، على مبدأ “وأعشق عمري لأني إذا مت أخجل من دمع أمي”. وبعتبر إنه قمة الأنانية اللي بدعوا على حالهم يموتوا قبل أهاليهم عشان ما يمروا بتجربة فقد الأب والأم. أي حدا تاني غير أمك وأبوك بتمشي حياته طبيعي بعديك مهما زعل عليك

غير هيك، الحياة بالنسبة إلي مشوار مسلي، تحدي لا بد منه. مش عايشة عالهامش ولا ماشية مع التيار، وإنما عايشة مبسوطة وبشتغل وبحاول اعمل إشي مفيد طالما أنا حية أرزق وبحاول أكون إنسانة كويسة وأتقرب لربنا بالعبادات والأخلاق عشان ما بعد الموت، لأنه مش مزحة، ومتى ما خلصت الحمد لله. لا عندي اولاد نفسي أربيهم وأكون جنبهم بس يكبروا، ولا بحب حدا وبخطط مستقبلي معاه وخايفة أتركه وأصدمه نفسياً، ولا عندي مشروع بشتغل عليه عشان أغير وجه العالم.

علاقتي بالحياة غير جدية وخالية من الالتزام، وما بعرف إذا هاد الإشي منيح او لأ..