شيطنة الطلاق

شو المشكلة في الطلاق؟
هذا السؤال كان في بالي من فترة، من وقت ما طلع خبر انفصال إليزابيث غيلبرت صاحبة كتاب “طعام، صلاة، حب” عن زوجها البرازيلي اللي تعرفت عليه في رحلتها المشهورة وكتبت عنه في الكتاب، وطبعاً طلعت أصوات الشامتين -عرب وأجانب- إنه هاد إثبات إنه فش إشي اسمه حب وكله كلام كتب وما إلى ذلك. ورجع السؤال رن في راسي مع خبر طلاق براد بيت وأنجلينا جولي اللي هم أشهر بكتير طبعاً فبالتالي ردود الأفعال كانت أقوى
أول شي خطر ببالي وقتها: إنه مين حكم إنه زواجهم كان فاشل لأنهم تطلقوا؟ ليش احنا مهووسين بفكرة إنه الحب أو العلاقات لازم تستمر للأبد عشان تعتبر ناجحة؟ يمكن سنة وحدة عاشتها إليزابيث غيلبرت مع زوجها بتسوى عشرين سنة عاشوها زوجين تانيين مع بعض وعافوا بعض من أول سنة. المدة مش المقياس الوحيد
طبعاً أي حدا بفوت بعلاقة بكون بحب إنها تستمر لحد ما واحد فيهم يموت أو يموتوا الاتنين سوا موتة رومنسية، هادا إشي طبيعي، بس مش مضمون، لأنه ببساطة الناس بتتغير والحياة بتتغير، كل اللي بتقدر تعمله إنك تحاول، الموضوع مش سهل وبده شغل من الطرفين، لكن إذا وصلوا مرحلة إنه علاقتهم دخلت غرفة الإنعاش وصفت عايشة على الأجهزة وبس عم بستنوا تموت لحالها موتة طبيعية، فعادي جداً يسحبوا الفيش، هاد مش قتل رحيم هاي فرصة لحياة جديدة
لكن أظن المشكلة تنبع من شيطنة الطلاق. هلأ أكيد ارتفاع نسبة الطلاق في مجتمع ما مؤشر على وجود خلل اجتماعي، بس الطلاق نفسه مش هو الخلل، المنظومة كلها مختلة من ساسها لراسها. بداية من نظرة الناس للزواج، لتوقعاتهم منه، لتوقعات الآخرين منه، لنظرة الناس للمتزوجين والمطلقين، وخاصة المطلقات
طبعاً واضح إنه مفهوم الزواج عنا موضوع مرتبط بالغرائز الجنسية والتناسلية فوق أي اعتبار آخر (داروين رح يكون فخور فينا على فكرة، احنا مصداق لكل نظرياته)، وكنتيجة لذلك بتلاقي عنا ناقوس الخطر بدق عند البنت بعد الثلاثين وعند الرجل بعد الخمسة وثلاثين. إنه خلص، بدك تلحق تخلف ولد ولدين، طبعاً على اعتبار الفكرة السائدة إنه المرأة بعد الخمسة وثلاثين بتكشنط وبتبطل نافعة، وهي فكرة مستمدة من عصور ما قبل الميكرويف لما الناس كانوا يتجوزوا بكير عشانهم أساساً كانوا يموتوا عالأربعين وعشان الفلاح كان لازم يجيب عشر احدعشر ولد يساعدوه في الحقل، لكن مش موضوعنا
موضوعنا إنه بعد هذا العمر المفصلي بصير الرجل والمرأة تحت ضغط اجتماعي إنه ما في وقت، فلازم تتجوز بسرعة وتخلف بسرعة، فبالتالي فش داعي تقعدوا تتعرفوا على بعض أكتر من شهر، عالسريع اللي عليك عليك، وفش داعي تستنوا، لازم من أولها تخلفوا عشان تلحقوا تجيبوا وريث للعرش
طب ولنفرض إنهم بعد ست شهور من العيشة مع بعض اكتشفوا إنهم بقدروش يعيشوا مع بعض، وكان في ولد بالنص؟ طبعاً زي أي شخصين محترمين محافظين في مجتمعنا المحافظ بطبعه لازم يسكتوا عشان الولد ويستسلموا لحياة من التعاسة والإقصاء العاطفي، وبعيشوا مع بعض أربعين سنة ويعتبر زواج ناجح لأنه استمر حتى النهاية. وبصراحة جزء مني بحس إنه يستاهلوا ولازم يتحملوا لأنه الولد ما إلو ذنب، وإنت بمجرد ما خلفت حياتك بطلت ملكك لحالك، بس الجزء الأكبر مني بقول: ليش تعملوا بحالكم هيك؟ وجزء آخر بقول إنه الولد بعيش، بالعكس يمكن يعيش حياة أفضل لما يكونوا أمه وأبوه منفصلين وسعداء من اللي رح يعيشها وهم متزوجين وتعساء.
بس طبعاً احنا عنا مشكلة تانية كبيرة هي وصمة العار اللي بتلحق بالمطلقة. وحدة بتتجوز ست شهور وبطلع جوزها معقد نفسياً وبضربها، بتتطلق منه وكونها مطلقة بصير لازم تقدم تنازلات وتنزل الstandards تبعونها، ويمكن تتجوز واحد أكبر منها بعشرين سنة، ولو كانت البنت حلوة ومتعلمة وفيها كل الصفات المثالية، بس خلص مطلقة يعني بدك تتنازلي، لأنا بنتعامل مع المرأة كسلعة، فإذا تزوجت وتطلقت تصبح مستعملة وبتنزل الresale value تبعتها، مش كإنسان بمر بتجارب بتخليه ينضج من كل النواحي. واه صحيح، جوزها اللي كان يضربها بعد شهرين برجع بخطب وبتجوز عادي
وهون برجع للسؤال: شو المشكلة الكبيرة بالطلاق؟ إذا كان الزواج من أساسه غلط، أو إذا تحول لحالة شبه دائمة من التعاسة فليش يستمر؟ وإذا في حدا مفكر يحكي من ناحية دينية، فتفضل اقرأ سير الصحابيات، كانت الوحدة تتجوز وتتطلق وتترمل وترجع تتجوز وتتطلق وتترمل، وما كان حدا يعيب عليها، بالعكس تنقي وتستحلي وتشترط
أنا بشوف إنه لو صار الطلاق إشي عادي وطبيعي ومتقبل في مجتمعنا فرح تصير 3 أشياء: رح تقل نسبة العنوسة (أنا آسفة على كلمة عنوسة) ورح ترتفع نسبة السعادة بين المتزوجين، ويمكن تقل نسبة الطلاق
تخيل إنه إنت بدك تتجوز، بس مش مضطر تضل خايف ومرعوب من فكرة إنه هاي هي الضربة القاضية ويا بتصيب يا بتخيب، فبالتالي لازم يكون الشخص المثالي 100%، وطبعاً بتكتشف بعدين إنه فش شخص مثالي 100%. لو كان الموضوع أبسط من هيك، اعتبرته تجربة، مثلاُ تعرفتي على واحد، حبيتيه، حسيتيه مناسب وممكن تعيشي معاه، بدون توقعات بالأبدية، وإنما عارفة إنكم إنتوا الاتنين في تجربة، بتعيشوا مع بعض أول فترة بدون ما تجيبوا أولاد تظلموهم معكم من أولها في حال ما اتفقتوا، بدون رعب من فكرة إنك ممكن حياتك تنتهي إذا صرتي مطلقة، بدون صرف مبالغ خيالية كأنك عامل إنجاز حياتك الأكبر، بدون أفورة مشاعر على الفيسبوك وبحبك وحلم عمري من أول شهر، بدون كل هالضغط، بعدين إذا لقيتوا الحياة ماشية حلو وبدكم تستمروا بتجيبوا صبيان وبنات وبتعيشوا بقصر من الغيوم الوردية والغزل اللي بلعي المعدة على الفيسبوك
ولما تكون فكرة الطلاق حاضرة ومش مستحيلة، أظن إنه بصير أصعب أحد الطرفين يضمن الآخر فيفقد الاهتمام فيه. مش بقوللك يسيء الرجل إلى المرأة التي يضمن بقاءها؟ وفي مجتمعنا في اعتقاد ضمني بإنه المرأة هي اللي دايماً بتخاف من الطلاق وبتخاف زوجها يتركها، وياما رجال بهددوا زوجاتهم بالطلاق وكإنه سلاح. أقوللك؟ طلقني وريحني من هالقصة عاد. هادا اللي ضايل علي، واحد يهددني إنه يتركني، أي فك عني
صحيح الطلاق مش إشي سهل، بس هو ما بيعني إنك فشلت أو إنك اخترت غلط بالضرورة، بل بيعني إنك جربت وغامرت وحبيت وانحبيت وتجرأت تعترف إنه هاد الحب انتهى، وهاد أكيد أحسن من إنك تعيش حياتك وحيد في جفاف عاطفي منتظراً الشخص المثالي، أو تعيش حياة تعيسة مع شخص فقدت التواصل معاه عشان ترضي مجتمع مختل ومنظومة مختلة لا تناسب العصر اللي احنا عايشين فيه بقدر ما قد تناسب أوروبا في العصور الوسطى
بالنهاية براد بيت طلع واحد وسخ وعينه فارغة، وما أتيس من جنيفر أنستون اللي خانها مع أنجلينا إلا أنجلينا اللي خانها مع ماريون كوتيار، وواضح إنه حياتهم مليئة بالقذارة وفخار يكسر بعضه، بس في النهاية ما بتقدر تقول إنه زواج 12 سنة راح بالزبالة، ولا إنه النظرة اللي كان يطلعها عليها كذب، عادي يكون في إشي حلو وينتهي بدون ما يثبت أو ينفي أي نظريات
ملاحظة: في فرق بين الشخص اللي شايف إنك ممكن تستمر معاه بس حاطط احتمال الانفصال من باب الواقعية، وشخص واضح من البداية إنه مش رح تتحمل تكمل معاه، هاي اسمها تياسة، فاقتضى التنبيه
Advertisements

مرايا

عشر ساعات من النوم ليلاً يمكن أن تصنع العجائب. هذا ما فكرت به وهي تنظر إلى وجهها في المرآة. تكاد تقسم أنها لم ترَ نفسها بهذا الجمال من قبل، كأنما سعاد حسني قد بُعثت من جديد، بل وشعرت بأنّ كل ما يُقال عن كون الجمال شعوراً داخلياً وأمراً نسبياً محض هراء وتلفيق، هذا جمال لا يختلف فيه ذوقان، لا شعور داخلي ولا بطيخ. وبما أنه لا شيء يدفعك إلى بدء يومك بنشاط كرؤية وجه جميل في الصباح، قررت استغلال الإجازة لإنهاء بعض الأمور التي لا تنتهي، وتحت تأثير جرعة الثقة التي سخت بها المرآة، رأت أن تمنح بشرتها استراحة من المساحيق لهذا اليوم

دخلت الصيدلية لشراء واقٍ من الشمس. كان ُيفترض أن يستغرق الأمر خمس دقائق، إلا أن فتاة أنيقة استوقفتها وراحت تتفحص وجهها. أشارت إلى تباين الألوان في وجهها، وبشرتها المنهكة التي تحتاج إلى عناية خاصة، والتجاعيد التي تهدد بالظهور، واقترحت عليها مستحضرات ممتازة ومضمونة لكل تلك المشاكل، كلها من نفس الشركة التي تعمل الفتاة لحسابها بالطبع

عادت إلى السيارة بعد أن أنفقت ثروة صغيرة في الصيدلية. نظرت إلى وجهها في المرآة الخلفية فبدا أقل بهاءّ من الوجه الذي رأيته في مرآة غرفتها ذلك الصباح. فتاة الصيدلية محقة، بشرتها متعبة والتجاعيد تحاول شق طريقها إلى ما تحت عينيها وحول شفتيها بضراوة

نزلت إلى الصالون لتقص شعرها الذي تقصفت أطرافه مؤخراً. أقنعتها الكوافيرة هناك بأن هناك حلّاً لشعرها المجعد، وأنه لن يكلفها أكثر من 150 دينار. ورغم كل محاولاتها لإقناعها بأن شعرها المجعد لا يشكل مشكلة بالنسبة إليها، إلا أنها وعدتها بالعودة لتمليسه إلى الأبد وقمع حلقاته وتجعداته بأسلحة كيماوية وسشوار من حديد. أما لون شعرها الأسود الباهت الممل فلم تناقشها فيه، واختارت اللون الذي ستصبغه به في المرة القادمة من دون اعتراض. في أثناء ذلك تناولت مجلة كانت أمامها وقرأت نصيحة من إحدى طبيبات التجميل للفتيات بالبدء بحقن البوتكس في وجوههنّ في عمر السابعة والعشرين، وبما أنها قاربت الثلاثين، تحسست جبينها ونظرت إلى المرآة التي أمامها، وأدركت أنه “راحت عليها”. قلبت صفحات المجلة فوجدت مقالة بعنوان “ريجيم الخمسة أيام لتتألقي في البكيني هذا الصيف”، وبجانبه صورة عارضة أزياء تعيش على الخس والفيتامينات، وفي الصفحة التالية وجدت مقالة بعنوان: “أنت جميلة كما أنت”. قبل أن تخرج استوقفتها أخصائية المكياج وراحت تحكي لها عن تقنيات “الكونتورينغ” الجديدة التي تعلمتها وكيف يمكنها خلال عشر دقائق أن تصغر أنفها إلى نصف حجمه. لم تنتبه إلى أنّ أنفها كبير إلا اليوم، بل أنها أصبحت تشعر بأنه يعيق رؤيتها

في الطريق إلى البيت وصلتها رسالة واتساب، فتحتها فوجدت إعلاناً من إحدى مراكز إزالة الشعر باالليزر تعدها “بأنوثة أبدية بلا تعب”، وإلى جانبها صورة فتاة ذات جسد يشبه الحجر المصقول. نظرت إلى يدها على عجلة القيادة، وتحديداً إلى تلك الشعيرات السوداء المتفرقة التي تظهر من تحت كمّ القميص عند التقاء الكف والمعصم،  وبدأت تشك في كونها أنثى، أو على الأقل أنثى كالتي تظهر في دعايات مراكز التجميل

فتحت الراديو فصدحت أغنية تتغنى بالسمار والسمراوات، لكنها قُطعت فجأة لتبث دعاية لمستحضر لتفتيح لون البشرة في أربعة أسابيع، ثم انتهى الفاصل الدعائي وعاد البرنامج الذي كان يستضيف خبيرة بشرة للتحدث عن أحدث أجهزة التخلص من السيليوليت، ذلك الشيء الذي تشترك فيه مع 85% من نساء العالم، والذي نسيت أمره لكنه بدا في هذه اللحظة أكبر مشكلة في حياتها، وراحت تحسب في ذهنها تكلفة التخلص منه وفقاً لما قالته الخبيرة على الراديو، فقررت تجاهله من جديد، لكن إن استطاعت تجاهل السيليوليت فماذا تفعل بتشققات الحمل وترهلات ما بعد الولادة؟

عادت إلى البيت بعد الظهر. نظرت في المرآة نفسها فرأت امرأة بدينة، مجعدة الوجه، باهتة البشرة، شعورة كغوريلا، مترهلة كفرس نهر، يغطي أنفها نصف وجهها، وحاجباها النصف الآخر. تساءلت كيف ينظر إليها زوجها أصلاً، وأدركت كم هو كاذب محترف حين يقول لها إنه يراها أجمل من ميريام فارس ونجوى كرم. لكن لا يهم، ستطرش نفسها بالمكياج وتتعلم تقنيات الكونتورينغ، وستأخذ قرضاً لتحرق شعر جسدها عن بكرة أبيه وتحقن وجهها بعشرة كيلو بوتكس وتكوي التشققات وتذيب السيليوليت، لكن قبل كل ذلك كان عليها أن تعرف على وجه الضرورة: من غيّر تلك المرآة؟

 

صحصح، مرة أخرى

**نُشرت هذه المقالة على موقع حبر لكن مع اختصار جزء منها لتكون مقالة رأي وذات طبع شخصي أكثر، وأضعها هنا كاملة من دون اجتزاء

في عام 1937، أجري استفتاء في الولايات المتحدة سألوا فيه الناس عن استعدادهم لانتخاب امرأة مؤهلة لتكون رئيسة للبلاد، وكانت نسبة الإجابة بالإيجاب أقل من 35%. في 2007 أعيد إجراء هذا الاستفتاء، وارتفعت تلك النسبة إلى 90%

هذا مثال على تلاشي الصور النمطية أو تأثيرها داخل المجتمع، إلا أن الحال لا يكون كذلك دائماً، وكثيراً ما تستمر الصور النمطية ويتم توارثها من جيل لآخر، والتي تقود بدورها إلى تكوين انحيازات ضمنية أو صريحة أو إلى سلوك عنصري على مستوى المجتمع أو السياسات والقوانين التي تحكمه

وهذا يطرح السؤال: ما الذي يعمل على ترسيخ الصور النمطية وإبقائها حية في المجتمع؟

لا شك في أن هناك عوامل كثيرة تساهم في تكوين ثقافة الفرد داخل المجتمع، على المستوى الواعي وغير الواعي. ونحن، شئنا أم أبينا، لا يمكننا إنكار أثر الثقافة المجتمعية والأفكار السائدة في ثقافة الفرد، وظهورها في سلوكياته ومواقفه صراحة وضمنًا. وإن لم تكن هذه الأفكار سلبية بالضرورة، إلا أن كثيراً من المفاهيم والمواقف الفكرية السائدة مبنية على أفكار رجعية نشأت واستمرت نتيجة لظروف تاريخية واجتماعية مرتبطة بمجتمعاتها، وبخاصة الأفكار التي تتعلق بالمرأة، والتي لا تقتصر خطورتها على المستوى المجتمعي، بل تتعداه إلى المستوى التشريعي وانتقاص الحقوق

أحد أهم الأطراف الملامة دائماً وأبداً في بقاء وتمدد تلك الصور النمطية هي وسائل الإعلام، وقد اتسع المعنى في السنوات الأخيرة ليشمل وسائل الإعلام الاجتماعي ونجومه الناشئين الذين لولا الفيسبوك والسناب تشات لما سمعنا بهم، أو على الأقل لظلت آراؤهم مطوية بين صفحات مجلات الصالونات وعيادات التجميل

لكن الإعلام التقليدي ما زال يلعب دوراً مهماً في تشكيل الثقافة الفردية والجمعية على حد سواء، وأخص بالذكر هنا البرامج الإذاعية، والتي تُعتبر أكثر وسائل الإعلام التقليدي تأثيراً وانتشاراً، وفقاً لدراسة أجرتها الشركة الإستراتيجية للأبحاث والدراسات ومؤسسة IREX عام 2008 والتي أفادت أيضاً أن نسبة مستمعي الإذاعات في الأردن بلغت آنذاك 46%. ويمكن لأي شخص يستخدم المواصلات العامة أو الخاصة أن يتكهن بزيادة هذه النسبة، وستتأكد من ذلك حين تجد أي شخص في الشارع يحفظ دعاية “دالاس” للسياحة التي لا تكاد تخلو إذاعة منها

مثل كثيرين غيري، لا أعتبر نفسي متابعة جادة للبرامج الإذاعية، إذ تقتصر علاقتي بها على البحث عن أغنية جيدة أثناء قيادة السيارة، أو سماع بعض الأخبار بدافع الشعور بالذنب وجلد الذات، أو في بعض الحالات الاستماع لبعض البرامج الصباحية أو المسائية. لكنّ أحد تلك البرامج استرعى انتباهي مؤخراً وهو برنامج “صحصح” على إذاعة روتانا من تقديم ناديا الزعبي ورهف صوالحة

لا أتذكر متى انطلق هذا البرنامج بالضبط لكنني أتذكر أنه لم تكن لدي مشكلة معه في البداية رغم الانتقادات الموجهة له. لم أكن أجدهما ثقيلتّي الظل ولم أكن أنزعج من ضحكتهما العالية ولا أعتبرها -في معظم الأحيان- مبالغاً فيها، وإن كنت أدرك صعوبة تقبلها في مجتمع “كشرتنا هيبتنا” و”الله يكفينا شر هالضحك” و”صوت المرأة عورة”. ولم يكن يزعجني محتوى البرنامج الذي كنت أسمع أجزاءً منه أحياناً، لكن في نفس الوقت لم أكن أجده شيئاً مؤثراً أو ذا معنى، وإنما محاولة للترفيه عن الناس في بداية اليوم وترويج مستمر لمنتجات ممولي البرنامج الكثر، وهو الجزء الأكبر من البرنامج

مشكلتي مع ناديا ورهف وصحصح بدأت منذ أخذتا على عاتقيهما مهمة تثقيف المرأة الأردنية وتعليمها وتشذيبها حسب الثقافة التي تعرفانها أو تروجان لها سواءً عن قناعة -وهي مصيبة- أو لإرضاء الجمهور -وتلك مصيبتان-

تتحدث المذيعتان في موضوع معين، فتقوم ناديا بلهجة صارمة تعالمية بتوجيه النساء إلى ألا يكنّ عنيدات ونكدات، ثم تضرب أمثلة عن الرجال الذين يعانون الأمرين من زوجاتهنّ. يتطور الحوار فتتدخل رهف بملاحظة عن “قلة عقل النسوان”، وفي حلقة أخرى وفي سياق الحديث عن العلاقة بين الأزواج تصرّح برأيها في “أن المرأة لا ينفع أن تُعطى سلطة”. ومرة أخرى تقرر ناديا، ربما اعتماداً على بحث أجرته في الليلة السابقة على غوغل، أن المرأة تكره أن يهديها الرجل كتاباً، وتؤيد رهف كلامها بناءً على حادثة عائلية، وتعبران في سياق الحديث أن الهدية الأفضل ستكون خاتم ذهب أو تذاكر لحفلة كاظم الساهر

 ولعل أحدث الأمثلة الحاضرة في الذاكرة هو الموضوع الذي سمعته في حلقة مؤخرة لهما حيث بدأتا الموضوع بالحديث عن نوع خاص من الرجال، وهو الرجل الطفل، وكيف أنه يحب تملك المرأة كما يحب الطفل تملك لعبة، يكون مسروراً بها ومتحمساً لها في البداية حتى يضجر منها ويملّ ويرميها في زاوية من زوايا البيت. وبطريقة ما، وجدت المذيعتان طريقة لجعل المرأة -أو اللعبة- هي المسؤولة عن تصرف الرجل الطفل، مع اعتذار للرجل قبل نهاية الفقرة عن تشبيهه بالطفل وطلب السماح منه والتوضيح أنهما يقصدان المديح لا الذم

ويمكنك أن تتصور رجلاً خمسينياً جالساً في سيارته يستمع إلى هذا البرنامج، ويتذكر زوجته وأمّ آطفاله وعدم اهتمامها بنفسها بالطريقة التي تصفها المذيعة، بينما يهز رأسه وكرشه موافقاً ومتحسراً على نفسه لأنه، كما قالت ناديا، بشر في النهاية. في تلك الأثناء تركض زوجته في البيت بين غرف النوم وغرفة الجلوس لتنهي الترتيب والكنس والمسح قبل عودة الأولاد من المدرسة، وتتردد على المطبخ بين الحين والآخر لتفقد طنجرة ورق الدوالي التي سهرت في لفها الليلة الماضية كي تكون جاهزة وقت عودة زوجها عند الغداء لتجنب نكده. تلتقط طراطيش من كلام المذيعتين: “لازم المرأة تكون في أبهى حالاتها مهما كانت مشاغلها لأنه الزلمة بحب المرة اللي بتدير بالها عل حالها”. تلمح انعاكاسها في مرآة الحمّام وهي تسلك مصرف المغسلة وتتنهد بحسرة

وقد تجد من يدافع عنهما ويقول إنهما تحكيان قصصاً من الواقع، لكن خطورة هذا البرنامج وهذه الأفكار التي تبدو عادية ومستهلكة ولا تتعدى كونها :تسلية صباحية و”طق حنك” تكمن في أمرين أنها تبث ضمن مجتمع وجمهور مشبع بالصور النمطية وتعاني فيه المرأة من التمييز على المستوى المجتمعي والرسمي، وأنها تأتي على لسان امرأتين يُفترض أنهما منفتحتان وعصريتان، تنالان نسبة استماع لا بأس بها وجمهوراً لا بأس به سواءً عبر الإذاعة أو وسائل التواصل الاجتماعي، وحين تتحدثان بتحامل -مقصود أو غير مقصود، مباشر أو غير مباشر- على المرأة، فإن ذلك يعطي مصداقية لكلامهما من باب “وشهد شاهد من أهله”، وإن كانت نبرة الحديث آمرة وعظية متعالمة، كأنهما لا تنتميان إلى جنس النساء اللواتي تتحدثان عنهنّ، وإنما إلى جنس آخر أكثر كمالاً، يعرف ما لا تعرف عامة النساء

وهنا يمكن طرح سؤال آخر: هل يمكن، مع طرح هذا النوع من الأفكار في أكثر وسائل الإعلام انتشاراً وتأثيراً، أن تزيد نسبة المشاركة السياسية للمرأة، أو أن نرى يوماً يمكننا فيه الاستغناء عن  نظام الكوتا النسائية في الانتخابات، أو أن يصوّت مجلس النواب مدفوعاً بضغوط شعبية لمنح المرأة الأردنية الحق في إعطاء جنسيتها لأبنائها؟

كي يحدث أي من ذلك، نحتاج إلى إعلام يرتقي بعقل الناس وثقافتهم وليس إعلاماً يحابي السائد والمقبول. لا نحتاج إلى من يبرهن لنا كل صباح أن النساء قليلات عقل، أو أنهنّ يتحملن مسؤولية كل زواج فاشل أو فاتر، أو أنّ أكبر اهتماماتهنّ تتمثل في الذهب والمجوهرات. لا نحتاج إلى تسرب أفكار مكررة بالية إلى ذهن العامة من جديد بعد أن بدأت تبهت وتتلاشى، لأننا باختصار وكما صاغها طمليه، “لا نحتاج إلى المزيد من أسباب الاهتراء”.0