مرايا

عشر ساعات من النوم ليلاً يمكن أن تصنع العجائب. هذا ما فكرت به وهي تنظر إلى وجهها في المرآة. تكاد تقسم أنها لم ترَ نفسها بهذا الجمال من قبل، كأنما سعاد حسني قد بُعثت من جديد، بل وشعرت بأنّ كل ما يُقال عن كون الجمال شعوراً داخلياً وأمراً نسبياً محض هراء وتلفيق، هذا جمال لا يختلف فيه ذوقان، لا شعور داخلي ولا بطيخ. وبما أنه لا شيء يدفعك إلى بدء يومك بنشاط كرؤية وجه جميل في الصباح، قررت استغلال الإجازة لإنهاء بعض الأمور التي لا تنتهي، وتحت تأثير جرعة الثقة التي سخت بها المرآة، رأت أن تمنح بشرتها استراحة من المساحيق لهذا اليوم

دخلت الصيدلية لشراء واقٍ من الشمس. كان ُيفترض أن يستغرق الأمر خمس دقائق، إلا أن فتاة أنيقة استوقفتها وراحت تتفحص وجهها. أشارت إلى تباين الألوان في وجهها، وبشرتها المنهكة التي تحتاج إلى عناية خاصة، والتجاعيد التي تهدد بالظهور، واقترحت عليها مستحضرات ممتازة ومضمونة لكل تلك المشاكل، كلها من نفس الشركة التي تعمل الفتاة لحسابها بالطبع

عادت إلى السيارة بعد أن أنفقت ثروة صغيرة في الصيدلية. نظرت إلى وجهها في المرآة الخلفية فبدا أقل بهاءّ من الوجه الذي رأيته في مرآة غرفتها ذلك الصباح. فتاة الصيدلية محقة، بشرتها متعبة والتجاعيد تحاول شق طريقها إلى ما تحت عينيها وحول شفتيها بضراوة

نزلت إلى الصالون لتقص شعرها الذي تقصفت أطرافه مؤخراً. أقنعتها الكوافيرة هناك بأن هناك حلّاً لشعرها المجعد، وأنه لن يكلفها أكثر من 150 دينار. ورغم كل محاولاتها لإقناعها بأن شعرها المجعد لا يشكل مشكلة بالنسبة إليها، إلا أنها وعدتها بالعودة لتمليسه إلى الأبد وقمع حلقاته وتجعداته بأسلحة كيماوية وسشوار من حديد. أما لون شعرها الأسود الباهت الممل فلم تناقشها فيه، واختارت اللون الذي ستصبغه به في المرة القادمة من دون اعتراض. في أثناء ذلك تناولت مجلة كانت أمامها وقرأت نصيحة من إحدى طبيبات التجميل للفتيات بالبدء بحقن البوتكس في وجوههنّ في عمر السابعة والعشرين، وبما أنها قاربت الثلاثين، تحسست جبينها ونظرت إلى المرآة التي أمامها، وأدركت أنه “راحت عليها”. قلبت صفحات المجلة فوجدت مقالة بعنوان “ريجيم الخمسة أيام لتتألقي في البكيني هذا الصيف”، وبجانبه صورة عارضة أزياء تعيش على الخس والفيتامينات، وفي الصفحة التالية وجدت مقالة بعنوان: “أنت جميلة كما أنت”. قبل أن تخرج استوقفتها أخصائية المكياج وراحت تحكي لها عن تقنيات “الكونتورينغ” الجديدة التي تعلمتها وكيف يمكنها خلال عشر دقائق أن تصغر أنفها إلى نصف حجمه. لم تنتبه إلى أنّ أنفها كبير إلا اليوم، بل أنها أصبحت تشعر بأنه يعيق رؤيتها

في الطريق إلى البيت وصلتها رسالة واتساب، فتحتها فوجدت إعلاناً من إحدى مراكز إزالة الشعر باالليزر تعدها “بأنوثة أبدية بلا تعب”، وإلى جانبها صورة فتاة ذات جسد يشبه الحجر المصقول. نظرت إلى يدها على عجلة القيادة، وتحديداً إلى تلك الشعيرات السوداء المتفرقة التي تظهر من تحت كمّ القميص عند التقاء الكف والمعصم،  وبدأت تشك في كونها أنثى، أو على الأقل أنثى كالتي تظهر في دعايات مراكز التجميل

فتحت الراديو فصدحت أغنية تتغنى بالسمار والسمراوات، لكنها قُطعت فجأة لتبث دعاية لمستحضر لتفتيح لون البشرة في أربعة أسابيع، ثم انتهى الفاصل الدعائي وعاد البرنامج الذي كان يستضيف خبيرة بشرة للتحدث عن أحدث أجهزة التخلص من السيليوليت، ذلك الشيء الذي تشترك فيه مع 85% من نساء العالم، والذي نسيت أمره لكنه بدا في هذه اللحظة أكبر مشكلة في حياتها، وراحت تحسب في ذهنها تكلفة التخلص منه وفقاً لما قالته الخبيرة على الراديو، فقررت تجاهله من جديد، لكن إن استطاعت تجاهل السيليوليت فماذا تفعل بتشققات الحمل وترهلات ما بعد الولادة؟

عادت إلى البيت بعد الظهر. نظرت في المرآة نفسها فرأت امرأة بدينة، مجعدة الوجه، باهتة البشرة، شعورة كغوريلا، مترهلة كفرس نهر، يغطي أنفها نصف وجهها، وحاجباها النصف الآخر. تساءلت كيف ينظر إليها زوجها أصلاً، وأدركت كم هو كاذب محترف حين يقول لها إنه يراها أجمل من ميريام فارس ونجوى كرم. لكن لا يهم، ستطرش نفسها بالمكياج وتتعلم تقنيات الكونتورينغ، وستأخذ قرضاً لتحرق شعر جسدها عن بكرة أبيه وتحقن وجهها بعشرة كيلو بوتكس وتكوي التشققات وتذيب السيليوليت، لكن قبل كل ذلك كان عليها أن تعرف على وجه الضرورة: من غيّر تلك المرآة؟

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s