لما طفينا الضو

بالمناسبة، المرة الماضية لما شعلت الشمعة وطفيت الضو صار إشي غريب. كنت عم بفكر شو ممكن أعمل خلال ساعة العتمة، وفجأة سمعت صوت طالع من الشمعة. قربت أكتر طلع الصوت من السلحفاة اللي حاملة الشمعة. ونظراً إنها سلحفاة وعاشت كتير ولفت وشافت اقترحت في مقابل كونها رح تحمل الشمعة كل أسبوع وتلعب دور المنارة إني أصير أخصصلها هاي الساعة عشان أدردش معها وأسليها وأنهل من حكمتها. وأنا صراحة كان عندي مخططات تانية فحاولت أتهرب

السلحفاة: طيب، شو بدنا نعمل هلأ؟

أنا: شو بدي أعمل أنا، أنا لحالي

السلحفاة: اللهم جيبك يا طولة البال. طيب، شو بدك تعملي إنت لحالك؟

طبعاً استحيت أحكليها شو بدي أعمل فصرت ألف وأدور، قامت صارت تتحزر

السلحفاة: بدك تكتبي مثلاً؟

أنا: مش عارفة صراحة، جنية الكتابة في مخي صايرة زنخة ونزقة وقميئة، لازم عشان أكتب أطلع وأنعزل وأوفرلها كميات مناسبة من الشاي وكميات غير صحية من الكيك من النوع الدسم اللي بعمل حرقة في المعدة. عمرك شفتي حدا بكتب وهو عنده حرقة في المعدة؟ طبعاً عم بحكي عن الكتابة الجدية اللي بتمشي مشاريع كتابية مش الهلوسة عالفيسبوك والحوارات مع أشخاص مش موجودين

السلحفاة: طيب، بدك تقرئي؟

أنا: على ضو الشمعة؟ ما أطلع أقرأ على ضواو السيارات أحسن!

السلحفاة: طب وبعدين؟

أنا: كنت بفكر… بصراحة… أحضر فيلم رعب

السلحفاة: بتعرفي إنك ما بتستحي

أنا: عفواً؟

السلحفاة: أها، يعني ساعة احتجاج وضد اتفاقية الغاز وبدك تحضري فيلم رعب؟ أساساً هو في فيلم رعب أكتر من اللي قادم. تخيلي، كل ما تضوي الضو أو تشحني الموبايل تكوني عارفة إنه الكهربا اللي عم تستهلكيها ثمنها دم ناس أبرياء. فجأة بصير الدم يطلع من اللمبة ومن الشاحن ومن كل أباريز البيت، حتى شاشة اللابتوب بتصير حمرا وبطلع الدم من بين كبسات الكيبورد

أنا: بتعرفي لو إنك صانعة أفلام كان استفدنا منك في الحملة

السلحفاة -بزهو-: بعرف، طول عمري خيالي واسع

أنا: وسراقة كمان. أقنعيني إنك مش ماخدة الفكرة من رواية مائة عام من العزلة لما يصير الدم يطلع من كل مكان بالقرية

السلحفاة: ومين قلك إني بقرأ روايات؟ أنا بقرأ كتب فكرية بس. بعدين الأفكار مش حكر على حدا ولا جديد تحت الشمس، وكونه ماركيز عرض الفكرة قبل أربعين خمسين سنة لا يمنع ترجع تخطر ببال سلحفاة بحرية خزفية من ساحل المتوسط

أنا: ماشي. بس أنا مش شايفة مشكلة إني أحضر فيلم رعب ما دام مطفية الضو

السلحفاة: يا ستي، اعملي ما بدالك. أصلاً يعني مين قال إنك وطنية ولا عندك حس وطني. مفكرة عشان بتطفي الضو وبتبعبعي عالفيسبوك وطلعتيلك مظاهرة بحياتك صرتي مناضلة يعني؟ احضري فيلم رعب احضري

أنا: إنت تعديتي حدودك على فكرة. أصلاً الحق علي اللي أعطيتك عين

السلحفاة: طبعاً الحق عليكي. تذكري كل الشخصيات اللي بتخترعيها وبتتحاوري معها، في شخصية ما بتهزئك؟ وهاد على فكرة دليل كراهية ذات

أنا: لعلمك هاي اسمها واقعية ومصداقية مع الذات مش كراهية ذات. وفعلياً الحق مش عليك ولا علي، الحق على أخوي اللي بجيب هيك سوفينيرات، بدل ما يجيبلي علبة حلقوم أتزهرمها وأخلص

السلحفاة: وما كنتي رح تاكليها، لأنك بتخافي تنصحي، لانك إذا نصحتي رح تصيري تكرهي حالك أكتر. حطي عينك بعيني، مش هلأ إنت جوعانة ورح تنامي وإنت جوعانة عشان خايفة تنصحي؟

أنا: اه، فعلاً جوعانة، بتعرفي شو جاي عبالي؟ شوربة سلاحف

السلحفاة: مش قدها

أنا: بتعرفي؟ أسأل الله إنه الاتفاقية تسقط بسرعة عشان أولع فيكي بدل ما أولع شمعة عليكي، أو أخبطك بالحيط أجيبك 100 شقفة

السلحفاة: أي روحي، شغل حكي

أنا: مش رح أقعد أقنع سلحفاة تافهة إني بحب حالي أو إنه عندي حس وطني، وجكر فيكي رح أحضر فيلم رعب، وبكرا بإذن الله رح أطلع آكل كيك وأنا بكتب، مع الدسم وحرقة المعدة وكل شي، ونشوف مين اللي بتكره حالها ساعتها

السلحفاة: اه طبعاً وحدة بتكره حالها أكيد مش رح تهتم بصحتها ورح تاكل سكريات ودسم وتترك حالها تروح بالعرض

أنا: لا واضح إنه إنت عم بتحاولي تستفزيني، بس أنا مش رح أرد عليكي، بتعرفي ليش؟ لأنه عندي ثقة بحالي

السلحفاة: فعلياً مش لازم تردي علي لأني سلحفاة مصنوعة من الخزف لا بتحل ولا بتربط ولا إلها صوت إلا في راسك

أنا: ما هو برجع بقول الحق علي اللي عم بعطيكي صوت وبعطيكي شخصية وبعرف الناس عليكي

السلحفاة: ما هو من هبلك، هاي الساعة خلصت وإنت بتبرمي معي وبتحاولي تثبتيلي أشياء ولا حضرتي فيلم ولا كتبتي ولا سخمتي إشي بحياتك، إنت متى بدك تتعلمي ما تهتمي بشو بحكوا الناس؟

أنا: إيش يعني؟ شو أسمي اللي عملتيه هلأ؟ تمكين بالتهزيء؟

السلحفاة: ولا تمكنيني ولا أمكنك. خلص، بدكيش تحكي معي بلاش، بس إنت الخسرانة

أنا: لا، عادي، أنا أصلاً بستمتع بهاي الحوارات المستفزة لنفس السبب اللي بخليني أحب أحضر مسلسلات أردنية. فا… موعدنا الأسبوع الجاي؟

السلحفاة: بفكر في الموضوع

أنا: من هون لهون؟ هيك هيك بدي أطفي الضو وماليش غيرك

السلحفاة: طيب… أمري لله… طفيني

turtle

 

Advertisements

رسالة إلى العالم الموازي

أولادي الأعزاء

لا، أنا مش مجنونة ولا بدعي معرفة الغيب. ولا بعرف مين إنتوا أصلاً ولا كيف أشكالكم ولا أسماءكم ولا إن كنتوا موجودين في أي عالم موازي. كل ما في الموضوع إنه عندي شوية كلام حابة أحكيلكم إياه، عشان كل واحد يكون عارف اللي إلو واللي عليه

شوفوا، متل كل الناس بحس عندي خبرات ودروس وقصص كتيرة بدي أورثها للجيل القادم. وطبعاً مين أحسن من اولادك تورثله خبراتك، يعني مش رح تجيب ناس من الشارع تحطهم تحكيلهم قصص كل يوم، ما عندكاش سلطة أبوية عالناس اللي بالشارع، ولا بتعطيهم مصروف. اولادك هم جمهورك الأول، خاصة في سن الطفولة لما يكونوا شايفينك إشي كبير وبطل ونجم وكذا، هاي المرحلة لازم كل أب وأم يستغلوها، قبل ما الطفل يكتشف إنك يا دوب نواة ذرة في الغبار الكوني وتروح عليك.

وإنتوا صحيح تأخرتوا، لكن كل تأخيرة وفيها خيرة، مش بس لأنه الواحد بكسب خبرات أكتر وإنما لأني بصراحة غيرت رأيي بكتير أشياء ولو كنت مبرمجيتكم من خمس ست سنين كان هلأ لازمكم غسيل مخ وفورمات من أول وجديد. شوفوا هو أنا بس أرسى على بر وأبطل أفرمت كل سنة بصير خير إن شاء الله، بس حالياً أنا مش مستعجلة ولا أظن إنتوا مستعجلين

وبصراحة أكتر، مش إني مش مستعجلة، أنا على بلاطة مش فارقة معي إجيتوا أو ما إجيتوا. صدقاً. لا تفهموني غلط، أنا متأكدة إذا إجيتوا رح أحبكم أكتر من أي إشي بالدنيا، هذا شيء مفروغ منه رغم أنف كل النظريات النسوية، اسمحولي يعني فش أم بتولد ابنها بعدين بتقرر تحبه أو لأ. ممكن تكتئب وتكره الدنيا كلها بس هذا لا يعني إنها بتكون بتكره ابنها، هي بس مش قادرة توصل للحب اللي عندها لأنها مش شايفة قدامها. أي نعم هي العلاقة بين الأم والطفل بتبدأ علاقة تطفل والجسم في البداية بحاول يتخلص من الجنين، بس هاد كله بطريقة معقدة يقود إلى الحب الغريزي اللاعقلاني نفسه. بمعنى آخر، علاقتي فيكم حالياً زي علاقتي بالمجدرة. ما بعتبرها طبخة، ولا بتيجي على بالي، وبمتعض شوي بس أسمع اسمها، لكن بمجرد ما آكلها بحسها أزكى إشي في العالم

ومش رح أدعي العمق والحس المرهف وأقعد أقول إني ما بدي أجيبكم على هيك عالم قذر وبشع ومن هالحكي. أبداً. يعني هو من ناحية عالم قذر فهو قذر، ورح يكون أقذر بمراحل في الأغلب على وقتكم إذا استمر الوضع هيك. لكن هاي مشكلتكم صراحة، هاي احنا من وقت ما إجينا على هالدنيا من حرب لحرب ومن نكسة لنكسة، ولا كان عنا سبيس تون ولا بوستات تنظيرية وتوجيهية عالفيسبوك بتعلم الأهالي كيف يربوا اولادهم، وهينا عايشين ويا محلانا. أنا عارفة شو بدك تحكي إنت اللي هناك: “يعني من كتر ما إنتوا جيل ذهبي، ما إنتوا كلكم عقد نفسية”. أشوف شو بده يطلع من جيلكم إنتوا يابو نص لسان. فالمهم، عالم قذر مش قذر دبروا حالكم، أنا أكتر إشي بقدر أساعدكم فيه إني أحاول قدر الإمكان ما أساهم في الاحترار العالمي وما أغسل السيارة بالبربيش وإني أعمل إعادة تدوير. أسلمكم البيت نضيف يعني. أما إني ما أجيبكم عشان خايفة عليكم من هذا العالم البشع فلا، إنتوا مش أحسن من غيركم، ولا ع راسكم ريشة، وبالآخر لازم ييجي حدا يستلم الوردية

السبب الحقيقي إني ممكن ما أجيبكم هو قول الشاعر “إنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض”. يعني ليش بدي آخد شقفة من كبدي وأخليها تسرح وتمرح على كيفها وأضل قلقانة فيها؟ وخدلك عاد على الكبدة نزلت عالحارة، الكبدة راحت عالمدرسة، الكبدة راكبة بسكليت بالشارع، الكبدة عملت سناب تشات. وأنا عمري ما ربيت سمكة زينة حتى، ولا نبتة صبار، بحسهم مسؤولية، فما بالك بكبدي؟ هو الواحد لاقي كلاويه بالشارع؟ ولاحظوا إنه الشاعر قال أكبادنا مش قلوبنا مثلاً. احنا العرب أكتر ناس ردينا للكبد اعتباره -أو اعتبارها كونه الكبد مؤنثة على فكرة (هاشتاغ لغتنا الجميلة). حتى بالمسلسلات الكويتية، يا بعد تشبدي ويا بعد تشبدي. برافو علينا صراحة، عملنا إشي صح، ما هو الكبد لا يقل أهمية عن القلب. إذا القلب مضخة البنزين فالكبد هو مصفاة البترول نفسها.الخلاصة إنه عشان تخلف اولاد بدك إيمان قوي كتير عشان ما تضل خايف عليهم، أو سبب قوي عشان تخاطر إنك تفقد صوابك وتربط حياتك بمعلاق ماشي على الأرض.

من ناحية أخرى، مش هاين علي أموت بدون ما أترك جيناتي على الأرض وتطلع في أجيال جديدة، القيمة الرمزية عالية جداً. هلأ نظرية الاختيار الطبيعي ممكن يكون إلها رأي تاني، بس هاد موضوع طويل بده رسالة لحاله. على كل حال، عزائي هو إنه لما الإنسان يموت جسمه بتحلل وجزيئاته بتدخل السلسلة الغذائية وبتتوزع عالكائنات الحية، نباتات وحيوانات وبشر، يعني احتمال يكون فيك جزيء من شكسبير أو ام كلثوم. وهاد بذكرني لما بنت أختي سألتني بحزن ليش بناكل البقر، فقلتلها إنه احنا لما نموت أجسامنا بتتحلل والنباتات بتتغذى عليها والبقر بياكل النباتات، يعني البقر بياكلنا بالآخر وهيك بتكتمل دائرة الحياة. طبعاً أختي بهدلتني كيف أحكي لبنتها هيك كلام، بس برجع بقولكم إذا بصير نصيب وبتيجوا على هذا العالم فاستعدوا تسمعوا كتير من هاد الحكي

بس أحلى إشي بالموضوع إنه إنتوا مالكمش رأي فيه. لكن أنا رح أقولكم من هلأ: إذا جايين متوقعين أمّ من جماعة أبنائي حبي وحياتي وغرامي وانتقامي واقتباسات مع قلوب حب عالفيسبوك، أو جماعة بطعميش اولادي إلا أورجانيك وبعمللهم مهروس اللوز بعصيدة الذرة بالبيت، أو جماعة اللي بتخيط لاولادها ملابس تنكرية عشان مسرحية المدرسة وبتكون رئيسة مجلس الأمهات، إذا كانت هاي توقعاتكم فبقولكم من هلأ روحوا شوفولكم أم غيري. هيكم قاعدين في عالم الأرواح، روحوا دوروا على أبوكم، ممكن يكون في مكتبة، في مسجد، في مظاهرة، في اجتماع مجلس إدارة، أو في مجلس النواب (ما هي يمكن تكون وقعة سودا، حدا عارف شو بستناه؟). روحوا نقوله الأم اللي بتعجبكم، عشان ما تيجو يوم تحكولي: يا ريتك مش أمنا يا ريت فلانة أمنا. لأنه ورب الكعبة إذا كنت متذكرة هاي الرسالة وقدرت أطولها رح أورجيكم إياها وأحطها على عينكم، حتى لو بدكم ترفعوا علي قضية حجر. أساساً على شو بدكم تحجروا؟ هو أنا ما قلتلكم إني مش ناوية أتركلكم أملاك، لا بيوت ولا مصاري بالبنك، برجع بقولكم دبروا حالكم، أنا لسا بدي أقلق فيكم شو بدكم تعملوا بعد ما أموت وتصير عضامي مكاحل؟

وبالآخر هاد كله حكي فاضي طبعاً، فش إشي اسمه تختاروا أم تانية لأنه في هديك الحالة بتصيروا أشخاص تانيين، فهي كتبة، ما في مفر، على افتراض إنكم موجودين في أي عالم موازي طبعاً. فمش رح أخوفكم أكتر من هيك، يعني هو صحيح أنا مش مشروع أم مثالية بس أنا كمان ما بتوقعكم تكونوا أبناء مثاليين، ولا بدي تكونوا مشاريع صغيرة تعوضني عن الأشياء اللي كان نفسي أعملها بحياتي (بس إذا حدا فيكم حابب يصير دكتور مش رح أقول لأ)، ولا بطمح تكونوا جهابذ وشخصيات وطنية عظيمة، أساساً أريحلي تكونوا من الأغبية الصامتة اللي بتمشي من الحيط للحيط. لكن إذا طلعتوا غير هيك مش رح أمنعكم برضه. وصحيح مش ناوية أتركلكم ذهب تحت البلاطة بس ممكن أقدملكم تجارب حياتية قيمة، وعندي قصص كتير. لا تعتبروها دعوة، بس في حال صار وتحولتوا لحقيقة واقعة، بوعدكم ألاقي طريقة أتعايش معكم