رسائل كونية

استيقظ سكان الجانب الشرقي من كوكب “فالترو” على خبر غريب، على غير العادة. وكحال أي مجتمع متعطش للإثارة، سرعان ما تكاثرت الأخبار وتضاربت حول الجسم الغريب الذي دخل المجال الجوي للكوكب، وتحفظت عليه وكالة الأبحاث الفضائية حتى تتم دراسته والبتّ في طبيعته.0

على الجانب الغربي، لم يستطع “شارام” النوم منذ سمع الخبر. سهر أمام التلفاز متنقلًا بين محطة وأخرى في انتظار صدور بيان حول الأمر. كان يدرك أن الجسم لا يمكن أن يكون أداة تجسس كما تكهّن بعض المحللين المتحمسون، فهذا الكوكب الرتيب المسالم لا يخفي أي شيء مثير للاهتمام. لا بد أن يكون رسالة من نوع ما. كان يلتهب حماسًا كلما فكر في الأمر، فقد جاء ما يصدق ظنونه بعد كل هذه السنوات، فكون بهذا الاتساع لا يمكن أن يكون حكرًا عليهم. شعر بمعدته تنقبض وهو يتخيل هذه الكائنات الغامضة. هل يشبهوننا؟ هل يعيشون مثلنا؟ هل يتساءلون عن وجودنا؟

بعد أيام من إعلان الاكتشاف تجمع الناس أمام شاشات التلفاز في انتظار المؤتمر الصحفي لرئيس وكالة الأبحاث الفضائية، كلّ يراهن على تخميناته الخاصة، بين الخوف من غزاة فضائيين والأمل في العثورعلى أقارب كونيين.

0
اعتلى رئيس وكالة الأبحاث المنصة بين ومضات الكاميرات وهمهمة الحضور. نقر الميكروفون بإصبعه نقرتين فساد المكان صمت مترقب. بدأ كلامه بمقدمة حول ظروف العثور على الجسم الغريب، الذي اتضح أنه مكوك غير مأهول، ووصف لهيئته وحالته العامة. كان يحاول ضبط ابتسامة تكاد تفلت منه حين وصل إلى الجزء المنتظر.0

“هذا وقد تم العثور بداخل المكوك على أسطوانة ذهبية، وبعد اطلاع المختصين على محتوياتها ثبت لنا بما لا يدع مجالًا للشك أن مصدر المكوك هو حضارة عاقلة خارج نظامنا النجمي.”07
ضجت القاعة بشهقات وضحكات وأسئلة عشوائية موجهة إلى المسؤول على المنصة، الذي طلب منهم الهدوء بصوت رصين استعدادًا لعرض بعض من محتويات الأسطوانة.0

خفتت الأضواء في القاعة وعمّ الصمت، بل إن الصمت عمّ الكوكب بأكمله بينما تعلقت العيون بالشاشة البيضاء الكبيرة حيث بدأت تظهر صور متتالية: طفل حديث الولادة، أشخاص يأكلون طعامًا لا يشبه طعامهم، تعلو وجوههم لذة لم يروها من قبل. بناية ذات طراز معماري حي لا يشبه بيوتهم البيضاء المصمتة، ورسوم لذرات عنصر كيميائي لم يتعرف عليه حتى المختصون منهم. كانت الصور مترافقة بأصوات تقول عبارات لم يفهموها، لكن كان واضحًا لهم أنها تنتمي إلى أكثر من لغة.0

فجأة، ودون أن يتوقف سيل الصور على الشاشة، صدحت القاعة بموسيقى لا تشبه أي شيء سمعوه من قبل. سرت بين الحضور قشعريرة جماعية، وشعروا بخفة جديدة عليهم، كأن الموسيقى كانت تحملهم حملًا فلم تعد أقدامهم تلامس الأرض.0

توقفت الموسيقى وعادت الإضاءة إلى القاعة، فظهر وجه الرئيس وقد تخلى عن ملامحه الرصينة لصالح ابتسامة طفولية.0

“لقد تبين لنا بعد تحليل رموز النقوش المرفقة مع الأسطوانة أنّ المكوك قادم من كوكب يبعد عنّا أربعة ملايين وحدة فضائية، وأن وصوله إلينا استغرق ما يقارب خمسة آلاف عام، مما يعني أن احتمال وجود هذه الحضارة الآن يفوق السبعين بالمئة. وتشير حساباتنا إلى أنه بعد إتمام بناء مركبة “رحّال” في العام القادم، سنتمكن من إرسال بعثة استكشافية إلى موقع الكوكب المشار إليه مع توقع وصولها خلال سبعة وأربعين عامًا.”0

ضجّت القاعة بتصفيق عفوي استمر بضع دقائق، قبل أن ينجح المتحدث في تهدئة الحضور من جديد.0

“إننا نأمل من خلال تحليل وترجمة محتويات الأسطوانة أن نستطيع أخيرًا فك رموز الموجات الخارجية التي تم التقاطها قبل خمس سنوات ويشتبه بأن تكون صادرة عن كائنات فضائية. نقدّر اهتمامكم، وسنوافيكم بالنتائج حالما نتوصل إليها.”0

قفز “شارام” من مقعده حتى كاد رأسه يرتطم بالسقف. “حضارة عاقلة”، “كائنات فضائية”، راح يدور حول نفسه وهو يردد تلك الكلمات كأغنية. ستكون شغله الشاغل خلال الأيام القادمة، والشيء الوحيد الذي سيتحدث عنه مع عائلته وأصدقائه، أو على الأقل الشيء الوحيد الذي يرغب في التحدث عنه. لا يمكن لأحد أن يفهم حماسه المفرط، حتى حين يبحّ صوته وتلمع عيناه كبلورتين وهو يشاركهم ما يدور في ذهنه من تساؤلات جامحة: من أين جاءت تلك الحضارة؟ هل سبقتنا أم سبقناها؟ هل توصلوا إلى حل لغز بدء الكون؟ هل استطاعوا تحديد ماهية المشاعر وتحويلها إلى شكل مادي؟ هل وجدوا طريقة أخرى للتكاثر غير الجنس؟ وهل وجدوا استخدامًا للجنس غير التكاثر؟
حاول “شارام” أن يلهي نفسه بتلك التساؤلات والنقاشات قدر الإمكان في انتظار المؤتمر الصحفي القادم، وبدأ يبحث في كيفية التطوع للمشاركة في البعثة الفضائية التي سيتم إرسالها للبحث عن ذلك الكوكب المجهول، الذي لم يعد مجهولًا تمامًا.0

مرّت أسابيع دون أن تصدر أي تصريحات جديدة. بدأ صبر “شارام” ينفد، وبدأت الشائعات تنتشر بين الناس، والتكهنات تزداد قتامة في الأوساط العلمية والثقافية، حتى أعلن أخيرًا عن مؤتمر صحفي مشترك لرئيس مركز الأبحاث الفضائية ومدير وكالة الأمن العالمية.0

بدا وجه رئيس مركز الأبحاث أكثر شحوبًا هذه المرة، وجبينه أكثر تجعدًا. إلى يمينه جلس مدير الوكالة الأمنية متجهمًا بهدوء محسوب. كانت أنظار الجميع وأنفاسهم مركزة على الرئيس في انتظار البيان الرسمي.0

“…أما بعد، فإننا وبعد ترجمة الرسائل الواردة في الأسطوانة وإدخال بياناتها إلى جهاز الترجمة المقارنة، تمكنا من تحليل وترجمة الموجات الخارجية وفك لغزها الذي حّير علماءنا لسنوات. نتيجة لذلك، توصلنا بشكل قاطع إلى أنّ كلّا من الموجات والمكوك يعودان إلى مصدر واحد.”0

تململ الرئيس في وقفته قبل أن يكمل، ونظر بطرف عينه إلى مدير الوكالة الأمنية كأنه يأخذ إذنه.0

“إلّا أن التباين الصارخ بين محتوى الموجات ومحتوى الأسطوانة اضطرنا إلى إعادة التحليل والترجمة أكثر من مرة للتأكد من صحة النتائج ووحدة المصدر، وكانت النتائج متطابقة في كل مرة.”0

صمت الرئيس برهة ليعطي الناس فرصة لاستيعاب ما قاله. تمتم الحضور فيما بينهم منتظرين المزيد من التوضيح.0

“هذا وقد تمكنا من ضغط بعض هذه الموجات باستخدام التقنية الأيونية العشرية، وتحويلها إلى صور متحركة سيتم عرضها عليكم الآن. يجدر التحذير من أن هذه الصور تحتوي على مشاهد مؤذية لا يُنصح بمشاهدتها للأطفال وضعاف القلوب.”0

أعتمت القاعة وتعلقت العيون بالشاشة البيضاء كما في المرة الأولى، لكنهم لم يشعروا بالخفة هذه المرة، بل بثقل في قلوبهم يشدهم إلى الأرض.0

أومضت الشاشة بصور لسحابة هائلة من الدخان والنار، أناس عراة يركضون في الشارع، أطفال بأقفاص صدرية بارزة يلقمون أثداًء جافة، وجيف حيوانات منتفخة تطفو فوق ماء عكر.0

خيّم صمت ثقيل على القاعة وعادت الأضواء من جديد. ألقى الرئيس نظرة سريعة على الناس مترقبًا رد فعلهم، فوجدهم صامتين محدقين إليه. طأطأ رأسه قبل أن يدلي ببيانه التالي. كان يقرأ من ورقة أمامه متحاشيًا النظر إليهم.0

“في ظل هذه المعطيات الجديدة، فإن احتمال وجود تلك الحضارة اليوم بات ضئيلًا جدًا بحيث لا يسوّغ المخاطرة بإرسال بعثة استكشافية إليها. بناءً على ذلك، تقرر إغلاق هذا الملف واعتبار المواد التي تم العثور عليها إرثًا حضاريًا سيكون متوفرًا للعامة على موقع عبر الشبكة الأيونية اعتبارًا من الآن، على أن يتم إنشاء متحف خاص به لاحقًا.”0

ضجت القاعة بمزيج من الاحتجاجات والأسئلة والاتهامات. وقف رئيس مركز الأبحاث في مكانه عاجزًا عن إعادة النظام، حتى دوت صرخة مفاجئة من مدير الوكالة الأمنية.0

“عليكم أن تفهموا…”

خبت الأصوات شيئًا فشيئًا، وتطلعت الأنظار إلى المدير الأمني بوجهه المحمر وعينيه الغاضبتين، خوفًا وطمعًا في سماع شيء جديد.0

“إن بقاءنا كحضارة كان وما زال يعتمد على عدم اجترائنا على الكون أو مجاراة رغباتنا البدائية. ما رأيناه وسمعناه هنا يشير إلى حضارة رعناء أرادت الحصول على كل شيء وانغمست في رغباتها حتى أهلكت نفسها. إن احتكاكنا بتلك الحضارة، في حال وجودها اليوم، سيشكّل خطراً على كوكبنا وعلى حضارتنا ككل.”0

انقطع صوت البث التلفزيوني، وتسمّر “شارام” في مقعده محدقًا إلى الصور الصامتة على الشاشة حتى تلاشت وتحولت إلى سواد يتوسطه سطر أبيض، فهرع إلى جهازه اللوحي وقام بنقل العنوان قبل انقطاع البث بالكامل.0

ضغط زر الإدخال فظهرت صفحة تحتوي على عدة وصلات: “الصور، الرسائل، الموسيقى، الصور المتحركة”. في الخلفية كانت نفس الموسيقى الساحرة، وفي وسط الصفحة تربعت رسالة بخط عريض:0

“هذه هدية من عالم صغير، تعطي شيئا من أصواتنا ومن معلوماتنا. صور وموسيقى، وشيء من فكرنا وأحاسيسنا. نحن نحاول البقاء؛ وعليه، فربما نعيش بعض الوقت من الزمان، و نلتقي بكم ذات يوم…”0

Advertisements

يسعد صباحك، والطفل المعجزة

قبل عشرين سنة تقريبًا، في إحدى حلقات برنامج يسعد صباحك عملوا لقاء مع طفل -عمره حوالي 8-9 سنوات- سموه “الطفل المعجزة”.كانت موهبة هذا الطفل المزعومة إنه ممكن يعطيك ناتج ضرب أي رقمين ببعض حتى الأرقام الكبيرة. بعد الترحيب والدردشة مع الأم حان الوقت لوضع الطفل تحت الاختبار، صارت المذيعة تسأل: 4 ضرب ألف، الطفل يقول 4 آلاف، 5 ضرب ألف، خمس آلاف. بعدين خشت عليه بالسخن، قالتله: 17 ضرب 18. صفن الطفل هيك وما جاوب. قامت رجعة المذيعة سألته: 7 ضرب ألف قاللها 7 آلاف. طبعًا هون الأم تدخلت وحكت إنه أشطر إشي بالأرقام اللي فيها أصفار أو شيء من هذا الهراء. وتاني يوم بالمدرسة إجينا كلنا نحكي عنها، لأنه بهداك الوقت كان الكل يحضر يسعد صباحك لشح الخيارات
هذا الطفل بيخطر ببالي كل فترة وفترة، وبفكر إنه خطيته برقبة كل شخص ساهم إنه يحطه بهالموقف الزفت سواء بعمل واسطة ف يالتلفزيون أو بإيهامه وإيهام أهله إنه طفل عبقري. الطفل هاد يمكن هلأ يكون موظف بمصلحة حكومية بمشيش المعاملات إلا إذا بحبحته بقرشين، أو أستاذ رياضيات نزيه مكافح بيعطي دروس خصوصية لآخر النهار عشان يسدد خوازيق.
الطفل ممكن يكون عالم ذرة حاليًا، ممكن يكون تغير بمليون طريقة، بعكس البرنامج اللي استضافه واللي لساته بيستحمر بالناس وبجدد وبنوع بطرق الاستحمار، من تقديم طفل على أنه طفل معجزة إلى الذهاب في رحلة ممولة من الحكومة على حساب المشاهدين المخلصين لإقناعهم بجدوى إقامة مشروع مفاعل نووي انبح صوت خبراء البيئة والطاقة وهم يحكوا في عدم جدواه وفي الدعوة إلى الاستثمار في مصادر الطاقة البدية الصديقة للبيئة من شمس ورياح
من الطفل المعجزة إلى المفاعل المعجزة. المشكلة إنه لما الطفل المعجزة ينزنق ويكتشف إنه قدراته الذهنية غير كافية للمهمة بتتدخل المذيعة وبتنقذ الموقف، لكن المفاعل لما ينزنق وما يلاقيش 60 مليون متر مكعب من المياه تبرد أعصابه، ولا يورانيوم بكميات وتراكيز كافية تشفي غليله، ويكتشف إنه موارده الطبيعية غير كافية للمهمة، رح تكون مشكلتنا أكبر من طفل رجع على بيته يوم الجمعة ليكتشف إنه الحياة أصعب مما يراه على التلفزيون الأردني

عن نعامة

النعامة من الحيوانات اللي إلها مكانة خاصة في قلبي.  هذا الكائن الغريب اللي مش مبين هو طير ولا بقايا ديناصور ولا شو بالزبط. شيء بديع الصراحة، كائن مبتلى وصابر، تخيل حالك عندك جنحان وبتبيض ومحسوب عالطيور بس كرشك ورجليك مش سامحينلك تنطلق، إشي بطقق من القهر، بس هي مش فارقة معها وإذا بتطلع بوجهها بتشوف انبساط أزلي قل مثيله.

أما عن سبب مكانتها الخاصة بقلبي هو أنها مرتبطة بأحد الدروس القاسية بالحياة اللي أخدتها على بكير. كنا في رحلة مع المدرسة لحديقة الطيور، يمكن كان عمري 5 أو 6 سنين مش متذكرة، العمر اللي ما حدا بياخدك جد فيه، وأنا في هداك السن كان منظري لا يساعد إنه حدا ياخدني جد، بتعرفوا سوبر ماريو؟ الفطرات اللي كان يدعثر فيهم في اللعبة، زيهم بس بجدايل

المهم، كنا واقفين أمام قفص النعام، والصغار والمعلمات مكيفين وعاملين ضجة بطبيعة الحال، وأنا عن نفسي كنت بطلع بصمت، وفجأة النعامة دخلت تخبت جوا، فصار في هرج ومرج وصاروا يحكوا ليش دخلت ووين راحت، قمت أنا بكل جدية واستياء حكيتلهم: لأنها زعلت منكم. وإذا بهم المعلمات صاروا يضحكوا كإني حكيت نكتة، وأنا وقفت أطلع عليهم وأحاول أفهم شو اللي بضحك بالموضوع، يعني لو كنت بنكت فهي نكتة زنخة لا أرضاها لنفسي بأي عمر. شو اللي بضحك في اللي حكيته؟ ما هو لو انخرستوا ولا وطيتوا صوتكم ما كانت انخرعت النعامة وفاتت تخبت جوا

بعد سنوات، ولما تذكرت هذا الموقف وسلسلة من المواقف اللاحقة -والأسوأ بمراحل- اكتشفت إنه مش دايماً الناس رح تاخدك جد، فلا تنتظر رد فعل الناس عشان تقيم الفكرة اللي عم بتعبر عنها. وتعلمت ما أضل كل ما وحدة من بنات خواتي تحكي إشي أصير أضحك وأدلع فيها لأني مش مستوعبة إنها إنسان عنده مخ وعم تكبر ويصير عندها أفكار. أما عن الضرر المتحصل هو إني أنا نفسي بطلت قادرة آخد نفسي وكتير أشياء في الحياة على محمل الجد

لكن السؤال الأهم: ليش النعامة فاتت تخبت وما دفنت راسها بالرمل؟ لأنه النعامة ما بتحط راسها بالرمل، أصلًا بتنخنق. النعامة بس بتحفر بالرمل عشان تحط بيوضها وتقلبهم تحت الرمل. #صحح_خبرك  #this_changes_everything