خدعوها فقالوا…

 
السنة الماضية أخدت قرار من أصعب القرارات التي ممكن البنت تاخدها بعد الثلاثين: ركبت تقويم أسنان
 
الصعوبة تنبع من فكرتين، أولًا: إنه هلأ؟ طب كان من زمان. وثانيًا: تركيب تقويم لمدة سنتين كوميتمنت لا يُستهان به. واحنا جماعة ما بنستهين بالكوميتمنت، خاصة بعد الثلاثين، لأنه دايمًا بتحس إنه فش وقت، لشو ما بتعرف، فش وقت وإنت مستعجل وخلص
 
الحقيقة كان المفروض أركب التقويم وأنا عمري 12 سنة. وقتها أخدولي أهل موعد وزبطلولي اسناني وحفر وحشوات وبكا ودموع عند دكتورة الاسنان، وبس خلصت وصرت جاهزة أركب التقويم خفت وقررت إنه بطلت بدي. وطبعًا بما إنه احنا ديمقراطيين أهلي حكولي زي ما بدك. ومن هنا نتعلم الدرس الأول: لا تعطي اولادك الخيار في هاي الأمور، فعليًا لا تعطيهم الخيار في أي قرار مهم، بدهم يروحوا على دكتور الاسنان بالكندرة
 
المهم، نسيت موضوع اسناني لسنوات، مع إنهم كانوا مزعجيني شوي بس شكلهم ما كان كتير مأثر علي، ومعظم الناس ما بلاحظوا إنه بدهم تزبيط أصلًا، فقلت خليهم، خاصة في مرحلة العشرينات لما كنت عايشة دور الفتاة العميقة اللي ما بهمني شكلي وأهم إشي أنمي عقلي ومش عارفة شو. طبعًا بعد الثلاثين بتكتشف إنه هاد هو تعريف “المنجقة”، وإنه عادي تهتمي بحالك من كل النواحي بدون ما تصيري سطحية وتافهة وبدون ما تنهوسي، وإنه كله مرتبط ببعضه بالآخر، وهذا هو الدرس الثاني
 
حاصله، مش متذكرة شو السبب بس بتذكر إني فجأة قررت إني أزبط اسناني. بس كنت مستبعدة احتمال التقويم نهائيًا. قلت بعملهم فينيرز وبخلص بأسبوع بقلب شكلي رأسًا على عقب. طبعًا الدكتور بمجرد ما اطلع علي ولا بقولي: تقويم. من هون لهون، أبدًا، ما بزبط. قلتله خليني أفكر. يعني التقويم بنحط وإنت 14 ولا 15 سنة، بالكتير 23، 24، بس عال31؟ قلت معلش، بحط التقويم الشفاف الجديد، مش مشكلة. ولا هو دكتور التقويم بقولي ما بزبط، بدك تحطي تقويم عادي لسنتين. قلتله طيب، برضه خليني أفكر.
اللحظة الحاسمة كانت لما رجعت عالبيت وقلت لإمي: الدكتور بقولي لازم أحط تقويم لسنتين. ولا هي بتقولي: طيب، شو وراكي؟ – بمعنى آخر: لا إنت مذيعة أخبار ولا ممثلة تلفزيونية ولا كل يوم في لقاء ومناسبة شكل. قلت آه صحيح، شو وراي؟ على بركة الله.
وهون بنيجي للدرس الثالث والمهم جدًا. صرت أحكي مع ناس ركبوا تقويم من قبل عن تجاربهم، طبعًا في ناس مشجعين جدًا، لكن في نسبة من الناس بقفلوك من الموضوع لما يصيروا يحكولك إنه التقويم مزعج جدًا وكيف إنه مؤلم، وكإنها تجربة سيئة بتمنوا ينسوها وخلص
 
لكن اللي صار إني لما ركبت التقويم ما لقيته مزعج للدرجة الموصوفة، والوجع محتمل وبفترات معينة مش طول الوقت. ورحت طلعت عاليوتيوب آلية عمل تقويم الأسنان وطلع إشي مبهر صراحة، العظم تبع الأسنان بدوب وبتكون من أول وجديد، فوصلت لمرحلة إني صرت مستمتعة حتى بالوجع (بدكم تقولوا مريضة نفسيًا مش فارقة)، بس فعلًا، فكرة إنه الوجع معناته إنه في شغل عم بصير جوا وفي نتيجة بتخليه محتمل أكتر. إضافة إلى إنه فش داعي للدلع، يعني أنا عم بحس بوجع محتمل عشان إشي عم بعمله بإرادتي عشان أحسّن شكلي، الله يعين الناس اللي عندهم أوجاع غير اختيارية وعايشين عالمورفين
 
فالدرس هو: كل إنسان عنده تجربته الخاصة، مش بالضرورة تجارب الناس تكون مطابقة لتجاربك. كما إنه طريقة تعاملك مع التجربة بتحدد مدى بشاعتها أو لطافتها. احكم بنفسك، لا تاخد أحكام مسبقة وتركبها على وضعك. إذا مش ممكن توثق بحكم الناس على كتاب أو فيلم، كيف بدك توثق فيه لأمور حياتية واقعية؟
النقطة الأخيرة اللي حابة أشيرلها هي: خدعوها فقالوا رح تنحفي لما تركبي تقويم. الحمد لله إني ما وقعت فريسة هذه الخدعة، لأنه بحسب اللي سمعته التقويم بخسفك خسف وبتنحفي كتير وكان لازم تنصحي شوي قبل ما تركبيه عشان تعوضي… لأ. يمكن للصغار اللي بشدوه كل أسبوعين بس الكبار ما أظن، يا دوب كل شهر بشدوا اسنانك يومين وخلص. يعني بالمنطق، أول ما تركب التقويم بصير صعب تاكل دجاج ولحمة وخضار، يعني الأشياء المفيدة واللي بتحافظ على كتلتك العضلية وبتساعدك تنحف إذا بدك تنحف. بينما أسهل إشي تاكله مع التقويم هو النوتيلا والكريما والكيك. بتصفي لازم تدير بالك ما تسحب فيهم وتعرف تعيش على الشوربة واللبن. هاد بالبداية طبعًا، بعدين خلص ممكن تاكل حجارة إذا بدك
 
على كل حال، الاستنتاج النهائي هو: فش إشي اسمه فات الأوان على أي تغيير تعمله بحياتك. سواء كنت بالتلاتين ولا بالأربعين، بدك ترك تقويم؟ ركّب. بدك تعمل 6-pack وإنت عمرك ستين سنة؟ اعمل. بدك تكملي جامعة وإنت عندك اولاد في الجامعة؟ كملي. بدك تألف كتاب عارف ما حدا رح يقرؤه؟ ألّف. لا تفكر إنه السنوات اللي ضلت بعمرك مش مستاهلة، وليكن شعارك دائمًا وأبدًا: شو وراك؟