زعلطية ما بتحكي إلا عربي

“بنتي زعلطية ما بتحكي إلا عربي”

في ظل انتشار ظاهرة “أنجلزة الأطفال”، واللي بنات أختي كانوا جزء منها للأسف، صار الواحد مرات لا شعوريًا لما يحكي مع طفل يستخدم مصطلحات انجليزية، فبدل ما تقول للطفل مثلًا: فرشي اسنانك بتقوله brush your teeth. وغالبًا بتعمل هاد الإشي بدون ما تنتبه، لكني من فترة انتبهت للي بعمله لما صارت بنت أختي الصغيرة قمر اللي عمرها سنتين تترجم الكلام الإنجليزي لعربي. مش قادرة أوصف مفاجأتي لما مرة قلتلها: أعطيني الball قامت حكتلي: الطابة، ودارت وجهها بكل هدوء. وأنا كمان شوي رح أعيط من الفرحة. وتكرر هذا المشهد مع مصطلحات أخرى، وأنا أقول الحمد لله وحدة منهم نجت من الزحف اللغوي الأجنبي.

لكن لاحقًا الموضوع عمل مشكلة لما إجت عاملة المنزل الفلبينية الجديدة، وصارت تشكي إنها مش قادرة تتفاهم مع قمر لأنه قمر بتحكي معها عربي ومفترضة إنها رح تفهم عليها. فإجت أختي بتضحك وبتقولي: “ما هي بنتي زعلطية بتحكيش إلا عربي”.

طبعًا أنا بعرف إنه أختي ما حكت هاي الجملة عن سبق إصرار وترصد ولا من منطلق نظرة دونية شخصية للي بحكوا عربي لأنه بالنهاية احنا تربينا بمدارس عربية وبيئة عربية ونحضر كرتون عربي ونخالط اصحاب عرب والله يستر على حصص الإنجليزي اللي خلتنا نحكي لغة ثانية. وبغض النظر إنه قمر زعلطية لأسباب أخرى ملهاش دخل باللغة، إلا إنه فكرة كون الحكي العربي مش كول أو أقل مستوى من الحكي بلغة أجنبية فكرة موجودة ومش رح ينفع ننكرها .

وهاي الفكرة مش بس بين جيل الأطفال الجديد تاعون المدارس الإنترناشونال اللي ما بيقرؤوا إلا كتب إنجليزي وبيحكوا بعض إنجليزي. إذا بتتذكر قبل سنوات، خلينا نقول لحد أول الألفينات، كان في اتفاق ضمني إنه اللي بكتب مسجات موبايل بالعربي حفرتلي. وأنا آسفة على المضمون العنصري بس هو تصوير لحالة مش مصادقة عليها. كنا فعلًا يا إما بنبعت لبعض بالإنجليزي أو إنه بنكتب عربي باحرف إنجليزي. طبعًا شوي شوي اكتشفنا مدى الغباء إنك تحكي مع صحابك عالتلفون بالعربي وبس تيجي تبعتلهم مسجات تقلب على لغة وسيطة وإنتوا مش محتاجين وسائط. وحسينا بصفاقة إنك toktob 3arabi haik. وشوي شوي صار الكل يحكي عربي ويكتب facebook status بالعربي والحياة حلوة

لكن السؤال، من وين إجت هذه النظرة الدونية للعربية؟ ودا سؤال برضه يا راجل، جلد الذات لعبتنا الصغيرة، ورغم إنه العربية لغة القرآن، وإنه أكثر علم برع فيه العرب وبفخروا فيه هو علم الكلام، إلا إنه تحولنا إلى الطرف الأضعف والمستضغفون في الأرض منذ قرون وما رافق ذلك من احتلال واستعمار وهزائم مخجلة ساهم في نظرتنا الدونية لأنفسنا وبالتالي للغتنا. حتى إنه في جملة بتتكرر على لسان ناس متعلمين ومثقفين مرات لما ما يعرف يعبر عن إشي بالعربي أو ما يلاقي كلمة مناسبة يقوم يقوللك: “بكره العربي مرات”، أو “جد العربي ما بنفع لتعبر عن كل إشي”. وخلينا نتفق على شيء هون: لما تحس إنه في عجز أو قصور في اللغة، فهذا عجزك إنت وقصورك إنت، لانه يا متعلم يا بتاع المدارس اللغة هي مجموع المفردات والتراكيب الموجودة في مخك، فالقصور في اللغة هو قصور قدرة مستخدمها وليس قصورها. حتى لو ما لقيت كلمة تعبر عن الإشي اللي بدك إياه كانت فعلًا مش موجودة في القاموس، استحدثها، اخترعها إذا مش موجودة، ولا هي اللغات كيف بتتكون غير هيك؟

وعشان نكون صريحين، اللغة العربية لغة صعبة، وهون بحكي عن اللغة الفصحى، مش لغة سهلة تتعلمها وتتقنها إذا ما كانت لغتك الأم، وطبعًا هاد سبب كافي إنه نركز على تعلم الأطفال للغة العربية، لأنه غتقان الطفل للغته الأم بعزز قدرته على تعلم لغات أخرى، ولأنه أي لغة ثانية مهمة سهل يتعلموها في المدارس، شو هو الانجليزي ولا الفرنسي؟ حكي فاضي، هينا كبرنا وتعلمنا وصرنا نرطم انجليزي واحنا تربينا على عدنان ولينا مش على بارني. والحقيقة صعوبة اللغة العربية مش لازم تكون إشي نستحي منه، فعليًا هي صعوبة تأتي كثمن للخصائص الجمالية والموسيقية والمرونة التي تتمتع بها العربية وتميزها عن بقية اللغات، والحركات والإعراب اللي بتعقد منه كتير ناس هو اللي خلا الشعر العربي لا يضاهيه أي شعر آخر، وهذه حقيقة لا يدركها إلا اللي بعرف عربي منيح، هات أحسن قصيدة إنجليزية ورح تبين زي أغاني الروضة تاعت الأطفال إذا قارنتها بوحدة من المعلقات على سبيل المثال.

وكل هذا الحكي بخلي الوضع اللي احنا فيه وعلاقتنا بلغتنا سبب أكبر للقهر. عنا لغة من أجمل اللغات الحية واللي ما ماتت ولا اندثرت رغم أفول شمس العرب، ومع ذلك بنستعر منها وعم نقتلها في أذهان اولادنا، بينما لغة ميتة من عشرين قرن زي اللغة العبرية رجعوا أحيوها من الرماد وصارت لغة مش بس للدين أو للحياة وإنما أيضًا لتدريس مختلف العلوم. وخذلك هذه القصة مثلًا، لما تم افتتاح المعهد التكنولوجي في تل أبيب كان هناك اقتراح للتدريس فيه باللغة الألمانية بدل العبرية كونه الألمانية أسهل للمصطلحات العلمية والتكنولوجية. قامت الدنيا وما قعدت، وطلعوا “الإسرائيليين” مظاهرات واحتجاجات حتى تم التراجع عن القرار واعتماد العبرية كلغة للتدريس في المعهد.

لكن ما أفسد علاقتنا بلغتنا لم يكن فقط الاستعمار والسياسات الاستعمارية والهزائم وما إلى ذلك. أحد الأسباب المهمة للأسف هم علماء اللغة أنفسهم على مر العصور، مش كلهم طبعًا لكن جزء كبير منهم، لأنه طبيعي لما تاخد لغة وتحطها بقالب متجمد وتنزع عنها أحد أهم خصائص اللغات الحية والتي هي المرونة والقابلية للتجدد، طبيعي الناس تنفر منها وتصير تحسها إشي صعب وما بفهمه غير المختصين، وتلاقي مصير لغات أخرى اندثرت مثل اللاتينية اللي تحولت للغة مقتصرة على النصوص الدينية. والابتعاد عن اللغة العربية ليس ظاهرة حديثة بل هو ظاهرة موجودة منذ قرون لنفس الأسباب المذكورة، ففي العصر العباسي مثلًا شاع الخطأ اللغوي على الألسنة وأصبح الناس يتجهون إلى اللغات الأجنبية، كما ورد في لسان العرب.

بعد هذا الكلام ممكن واحد بقرأ وبقول إني عم بكي عن اللغة العربية وأهميتها وأنا بكتب باللهجة العامية، هزلت. لا ما هزلت. أولًا، اللهجات العامية موجودة ما وجدت اللغة العربية، أصلًا كتير من الكلمات اللي بنعتبرها عربية فصيحة هي كلمات “عامية بمعنى أنها كانت موجودة في لهجات القبائل ولما تم جمع اللغة العربية جمعوا كل هذه الكلمات واعتبروها كلها فصيحة، عشان هيك بتلاقي عنا 100 اسم للسيف و500 اسم للأسد، وفي النهاية أحد تعريفات اللغة أنها لهجة كتب لها البقاء. القرآن الكريم مثلًا نزل بلغة قريش، وهذا لا يعني إنه ما كان في لهجات أخرى في جزيرة العرب، لكن طبيعة موقع مكة وأهميتها التجارية والدينية عند العرب جعلت لغتها هي السائدة والتي يفهمها الجميع، إشي زي الإنجليزي هلأ.

ووجود لهجات عامية حاليًا ليس تهديدًا للعربية. ما يهدد اللغة العربية فعلًا هو إنا نحاول نجمدها في قالب واحد ونغلط كل حدا حاول يضيفلها إشي جديد. اللغة العامية باقية واللغة العربية الفصيحة باقية لأنها لغة القرآن ولأنها كانت ولا تزال لغة التدوين الرسمية، وكون اللغة كائن حي يتطور بتطور الزمن فالحل يكمن في أن تتسع اللغة العربية لتستوعب العامية، فلا العامية تطغى عليها وتمحوها ولا الفصيحة تلغي العامية، فمهما حاولت الناس بالشارع مش رح تحكي لغة المعاجم، ومهما صححت وأصريت أنا شخصيًا مش رح أصير أحكي “مبارك” بدل “مبروك” ولا رح أكتب في السيرة الذاتية “تخرجت في الجامعة الأردنية” بدل “تخرجت من الجامعة الأردنية” ولا رح أكتب في الترجمة “الشارع الرئيس” بدل “الشارع الرئيسي”.

الخلاصة، إن كان في حدا بده يستعر من حدا فالأحرى إنه لغتنا تستعر منا من كتر ما جمدناها وشوهنا سمعتها. واللغات الثانية مهما لقيناها “كوول” و”معبرة”، رح نضل بالنسبة إلها دخلاء و”زعلطية”…

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s