أهوة وتاهيني وكامومايل – عن قصورنا الذي ننسبه إلى اللغة

من فترة في كوفي هاوس بقعد فيه مرات بشتغل أو بكتب، صاروا يعملوا نوع جديد من الحلويات وهي عبارة عن براوني فوقيها طبقة من خلطة معينة معمولة من الطحينية، وسموها Tahini brownie، وكونه الأشياء عندهم بتتسمى بالانجليزي بس، فما كان ممكن تشوف مكتوب “براونيز بالطحينية” بأي مكان. المهم، ذات يوم إجا عبالي أعيش حياتي شوي، ومن باب إنه لا بقفز من طيارات ولا بتسلق جبال ولا بتسابق في راليات فعلى الأقل أجرب البراوني بالطحينية. لكن المعضلة التي واجهتني كانت: كيف بدي أطلبها؟ يعني هم صحيح بسموها Tahini brownie  بس أنا لا تربايتي ولا قيمي بتسمحلي أسمي الطحينية “تاهيني”. يعني الأجانب تعرفوا على الطحينية جديد وبعترفوش بحرف الحاء، أمر الله، يسموها تاهيني، بس أنا كإنسانة عربية من بلاد الشام أحكي تاهيني ليش؟ تخيل أروح على هاشم مثلًا أقوله أعطيني صحن “هوموس”. وبنفس الوقت مش طالعة مني أقول “براوني بالطحينية، مبدئيًا لأنه التركيبة كلها بتحسها غلط، لأنه ببساطة الطحينية ما انوجدت عشان تنحط عالكيك، يعني إنت بمجرد ما تحكي طحينية بتحس حالك بدك تطلب مسبحة ولا فتة مكدوس – اللي بعرفش إذا بنحط عليها طحينية أصلًا، بس هيك شعور سفرة الفطور

عند هذه النقطة الواحد ممكن يقول يجعل عمرها ما انطلبت، بس أنا كنت تقمصت عقل سمير غانم بمسرحية المتزوجون لما ربط القماشة على راسه وقال بتصميم: “حاشربها”. وبالنهاية حليت الموضوع بأني أشرتله بإيدي عليها وقلتله بدي هاي. وما جبنا سيرة الطحينية، كأننا نتآمر للتستر على جريمة، وهي فعلًا جريمة وفكرة سخيفة كما اتضح لاحقًا بدليل إنهم بطلوا يعملوا البراونيز بالتاهيني

في مكان وزمان آخر، وفي مشهد يتكرر كثيرًا، كنت رايحة على السينما مع صاحبتي ووقفت أشتري التذاكر، لكن كلمة التذاكر هاي تقريبًا صارت مقتصرة على الإعلانات وترجمة الأفلام، لما تروح عالسينما بصير اسمها tickets. بس مرات لما آجي أشتري التذاكر عقلي بروكب وبقرر إنه بديش أقول two tickets، بدي أقول “تذكرتين”، وبالمرة نستحضر روح الراحل سعيد صالح، تذكرتين! بس طبعًا اللي ببيعك التذاكر لما بده يرجع يتأكد ما برجع بحكي تذكرتين، برجع بقولك two tickets، وشوي شوي بتصير إذا حكيت “تذكرة” تحس حالك بمحطة قطار في فيلم مصري من الخمسينات وكمان دقيقتين رح تطلع فاتن حمامة ترمي حالها على سكة الحديد

نرحع للكوفي هاوس، اللي طبعًا صعب أقول عنه “مقهى” لأنه معنى تاني تماما رح يوصل، هلأ صرنا يا إما “كوفي هاوس” يعني مكان للشغل والدراسة والاجتماعات الهادئة، يا “كافيه أو كوفي شوب” وهو المكان المخصص للأراجيل وطق الحنك، أو “أهوة” وهو مصطلح مثير للغثيان بدأ بالانتشار في عمّان مؤخرًا وبصراحة ما بعرف شو بيعملوا بالأهاوي بالزبط وشو الفرق بينها وبين القهاوي، ولا أدري من الأكثر غباءً، أول شخص فكّر يكتب “أهوة” أم الذين نسخوها عنه وقلدوه. المهم، نرجع للكوفي هاوس حيث جئت اليوم لكتابة هذا المقال/الخاطرة، وقررت أطلب بابونج عشان مرشحة. بس على مين يابا؟ بابونج هاي عند ستك، أو عند أبو صالح، لكن هنا حيث تصدح موسيقى الجاز والمنيو بالانجليزي والناس من انجليزيا أو بحكوا انجليزي، اسمه chamomile. ما هو عشان يزبط مع الأسعار، بابونج مين يا طيب؟ يعني لا شك بدك تطلب بابونج بتحس حالك فايت على عطار، بس بنفس الوقت لو بدك تطلب chamomile، رح تطلبه بالأمريكي ولا بالبريطاني؟ كامومايل ولا كاموميل؟ مش رح تخلص. وكمان بنفس الوقت تخيل موقف ستك لو سمعتك بتقول عن البابونج chamomile. زين ما خلفتي وربيتي يا زينب! بس بالآخر صعب وانت مرشح تقتنع إنه الchamomile  علاج، لازم تطلب بابونج، هيك بتحس فيها بركة وتاريخ

محزن كيف مصطلحات لغتنا صارت شيء ممكن نعتبره عتيق أو محرج، ويا ما كنت أسمع من أصدقاء بحبهم -خاصة لما يكونوا عم بحاولوا يترجموا إشي للعربي- إنهم “مرات بكرهوا العربي” لأنهم مش قادرين يلاقوا الكلام اللي يعبر عن الفكرة اللي براسهم بالعربي. اللي بدي أقوله إنه اللغة مش كائن أسطوري ولا جني ببعتلنا تعابير ومصطلحات من عنده واحنا بنتلقفها وبنستخدمها، اللغة هي ما تحمله أنت في ذهنك من تعابير ومصطلحات ومفردات ومهاراتك وطرقك في استخدامها للتعبير عن أفكارك. قصور اللغة هو في الحقيقة قصور لدى مستخدميها، وعجزهم عن تجديدها لمواكبة ما يطرأ من أفكار ومستجدات في العالم تحتاج إلى ما يعبر عنها، وما بالك بمستخدمين فكرتهم عن تجديد اللغة هو إنهم يسموا “القهوة” “أهوة”؟

Advertisements

لعله خير…

اهتزت الأرض تحت قدميها فجأة، واليد التي كانت تمسح السقف بخرقة القماش أصبحت تتخبط في الهواء محاولة عبثًا التشبث بأي حافة قريبة، حتى استقر جسدها على الأرض المبتلة، واستقرت الخرقة فوق وجهها.0

جمدت في مكانها بضع ثوانٍ محدقة إلى السقف، ثم توجهت بنظرها إلى الباب حين تذكرت زوجها الجالس في الصالون. صدى صرختها لا يزال يتردد في أذنيها، لا بد أنه سمعها وسيطلّ من الباب في أية لحظة.0

مرت دقيقة وساد السكون في المطبخ، هي والسلّم ملقيان على الأرض، وصوت التلفزيون القادم من الصالون يزيدها حنقًا على حنق؛ يبدو أن نشرة الأخبار، أو مذيعة الأخبار، أهمّ من زوجته التي كادت تكسر ظهرها للتو.0

تذكرّت تلك المرة في فترة الخطوبة حين انزلقت عن الدرج ولوت كاحلها. يومها حملها ثلاثة طوابق إلى بيت أهلها ثم خرج مسرعًا ليجلب لها الطبيب. كانت تبتسم كلما تذكرت ذلك الموقف، لكنه الآن جعلها تغلي من الداخل بغيظ مكتوم. حركات الشهامة تلك كانت ضرورية وقتئذٍ، أما الآن وبعد عشرين عام من الزواج لم يعد لها لزوم. من يُطعم سمكة بعد اصطيادها؟

رفعت نفسها قليلًا عن الأرض وتحسست ظهرها. شعرت بالأسف على نفسها وعلى سنوات عمرها التي ضاعت في استثمار فاشل. عشرون عامًا ولم يدخل عليها يومًا بوردة أو علبة شوكولاتة في عيد الحب، وكانت تقبل تبريره بأنه مناسبة مزيفة وتجارية. حتى أنها لم تطالبه يومًا بهدية في عيد ميلادها، الذي يصادف منتصف الشهر وذروة الإفلاس دائمًا. أدركت أنها أرخت له الحبل أكثر من اللازم حتى لم يعد يشعر بأي مسؤولية تجاهها، ولا يأبه حتى بصرخات استغاثتها.0

“أم لعله الملل الذي خيّم على حياتهما؟ ربما تكون شريكة في ذلك، ربما سمحا لرتابة العيش أن تطفئ شرارة الجنون التي وُلدت منها علاقتهما يومًا. كادت تستكين لتلك الفكرة، لكنّ صوت التلفزيون الذي ما زال يتدفق من الداخل أجّج غضبها من جديد. لقد عزمت أمرها، ما أن تستجمع قوتها وتنهض ستقوم وتكسره فوق رأسه، ثم ستوضب حقيبتها وتذهب إلى بيت أهلها. كان عليها أن تسمع نصيحة أمها حين قالت لها إن هذا الحب الذي يبدأ على مقاعد الدراسة ووسط أحلام الشباب الثورية حب “فالصو” لا يصمد أمام عوامل الحت والتعرية. لكنّ -الأوان لم يفت، ما زال أمامها وقت لاستدراك غلطتها.0

نهضت بتثاقل، ثم دبّت فيها شحنة طاقة تصاعدت بداخلها كدفق من الحمم البركانية، فانطلقت نحو الصالون تابعة صوت شارة الأخبار، فاغرة فمها على استعداد لإطلاق سيل من مصطلحات التوبيخ والعتب والسباب التي كانت تتحرج منها سابقًا، لكنها بدت اليوم أنسب ما يمكن قوله.0

ما إن وصلت إلى غرفة الجلوس حتى تسمّرت في مكانها. كان التلفزيون يصدح بالإعلانات التجارية أمام طقم خالٍ من الكنب، ومن الحمّام في الزاوية البعيدة خرج زوجها ينشّف شعره، وينظر إليها مشيرًا بإيماءة من رأسه إلى جهة النافذة…0

“سمعتي صوت صياح من برا؟ شكله من عند الجيران. لعله خير…”