عن السعادة وإيجاد الذات

قبل شوي شفت فيديو مدته خمس دقائق لوحدة أمريكية بتحكي عن قصة حياتها وكيف لقت روحها  وعرفت شو بدها بالحياة والتحول العظيم وما إلى ذلك. باختصار تتحدث السيدة بطريقة درامية مع موسيقى درامية والكثير الكثير من الكليشيهات، وبتقول كيف إنه حياتها كانت أشبه بلوحة فنية وإنه كان عندها كل إشي، تجوزت بس خلصت جامعة وانتقلت مع جوزها على إيطاليا لتعيش بجانب بحيرة كومو اللي بتوصفها إنها من أجمل الأماكن في العالم، وإنها مع ذلك ما كانت مبسوطة وكانت حاسة دايمًا إنه في إشي غلط من جوا مع إنها تملك كل ما قد يتمناه أي شخص، حتى في يوم من الأيام قررت إنه خلص وإنها رح تسمع الصوت اللي جواتها وقررت تترك جوزها وترجع على بلادها وهكذا وجدت روحها الضائعة ووجدت السعادة ويمكن كمان وجدت ريموت التلفزيون وكم فردة جرابات ضاعوا بالغسيل بطريقها

الحقيقة أنا ما بعرف شو تفاصيل قصتها وشو وضعها مع زوجها، هي بتحكي إنه زلمة كتير منيح بس ما بنعرف أكتر من هيك، مبدئيًا لأنه الفيديو ما في تفاصيل وإنما كلام مبهم عن السعادة وإيجاد الذات وفش داعي تغلب حالك وتدور على الفيديو، ما عليك إلا تعمل بحث على غوغل على كلمات اكتشاف الذات ومعنى الحياة ورح تطلعلك لائحة فيديوهات لو تعيش قد عمرك عمرين ما بتخلصها، احضر أي واحد فيها بيوفي بالغرض. ومع ذلك على الموقع الإلكتروني تبعها كاتبينلك إنه كلمتها هي مست قلوب الملايين في أنحاء العالم، ببساطة لأنه احنا كائنات مسكينة وأي شيء بمسنا إذا قررنا إنه يمسنا

نرجع للموضوع، أنا ما بعرف شو تفاصيل قصتها، ويمكن هي كان عندها مشاكل نفسية فعلاً ومش قادرة تتأقلم مع حياتها، لكن كنت بفضل تحتفظ بنصائحها لنفسها بدون ما تلبس عباءة مدربي الحياة واكتشاف الذات وتقدم تجربتها الشخصية كمثال يُحتذى به وتحكي كإنها عرفت سر الحياة والسعادة، ولو طلبت منها تعريف السعادة أكاد أجزم إنه رح يطلع مختلف جداً عن تعريفك أو تعريفي، لأنك لما تكون شخص عندك كل شي كون عندك ترف تحويل السعادة إلى مفهوم هلامي بدون ملامح وتطلع تعطي محاضرات فيه

يمكن أكتر إشي استفزني العبرة اللي عملتها عنوان للفيديو، وهي إنك إنت بتعرف شو الإشي الصح إلك وشو اللي بناسبك. يلا نزرع بعقول الناس إنه “حدسها” و”شعورها الداخلي” معيار موثوق تمشي عليه حياتها. طيب احزري شو؟ احنا ما بنعرف إشي، وهذا الشعور الداخلي اللي بتحكي إنه بعرف شو المناسب إلك ممكن يكون مجرد رغبات أو نوازع أو مخاوف تسيرك نحو ما تريدين، ليس نحو ما هو بالضرورة مناسب لك، خذيها من وحدة فاتت بحيط ورا حيط وهورت بوادي ورا وادي عشان حست إنه هذا هو الطريق الصحيح، متجاهلة كل شاخصات التحذير

ما علينا، بلاش أنا، أنا حمارة بعرفش مصلحتي، سمعتي عن البارادوليا؟ باختصار هي نزعة العقل إلى إيجاد المعنى حيث لا يوجد معنى، تفسير المؤثرات والظواهر المبهمة بشكل يتماشى مع الفهم الذي نريد. بمعنى آخر، إذا في إشي بدك تعمله، رح تلاقي كل المبررات والإشارات اللي بتخليك تآمن إنه هذا الشيء منيح، بل وممكن تقنع حالك إنه هاي إشارات من السماء أو تواصل روحي أو استشراف للمستقبل، إلخ

بلاش العلم، خذلك كوكا كولا مثلاً، صرفت آلاف الدولارات على تجارب لتحسين نكهة مشروبها في فترة من الفترات، والأغلبية الكاسحة فضلت تركيبة معينة للكولا فاعتمدوها بكل ثقة، ولما طرحوها بالأسواق طلعوا الناس يسبوا عليهم إنه شو هالزفت اللي عم بتشربونا إياه. نفس الناس اللي اختاروا التركيبة. يعني حتى شو بدنا نتزهرم مش عارفين نحدد، وبنروح عالمطعم بنصفن ساعة بالمنيو وبالآخر بنطلب نفس الإشي اللي بنطلبه كل مرة. بمعنى آخر احنا مخلوقات مش عارفة شو بدها وبتتلاقفنا مشاعر معقدة من خوف ورغبة وقلق وفرح وغرور، وإنت جاي تحكيلي إنك سمعتي صوت براسك وعرفتي شو الصح؟ عادي قولي مش حابة جوزك وشربتوا من كاس الملل على رأي كاظم الساهر، بدهاش Ted Talk  الشغلة

مشكلتي التانية مع خطابها هي مشكلة عامة مع خطاب مدربي التنمية الذاتية اللي بنفخ براس الإنسان وبربي فيه فردية أنانية من حيث لا يدري، واللي بشوفه بشكل أساسي خطاب ليبرالي مترف يعكس قيم العالم الأول. بفهم إنه احنا عنا ثقافة جمعية كتير أحيان بكون إلها تداعيات سلبية على الحرية الفردية، بس في مقابل ذلك في ثقافة فردية ذاتية لا تقل سلبية لما تخلي قيم الحرية الفردية أولوية على قيم أخرى لا تقل قداسة. مثلاً، لنفرض إنه أنا وحدة متزوجة وعندي اولاد، وفجأة قررت إنه أنا ما بدي أعيش حياة الأم وإنه اللي بدي إياه فعلًا إني أكون متحررة من قيود العائلة والمسؤولية وأسافر وأحب شخص تاني يرجعلي شعور الاتقاد اللي سلبته الأمومة وروتين الحياة الزوجية. هلأ في ناس ممكن يقولولك عادي هاي حياتك وحريتك وإنت مسؤولة عن سعادتك فقط، لكن أنا لو عملت هيك بكون قدمت قيم الحرية والمتعة الشخصية على قيم أهم مثل الأمومة والالتزام العائلي، وهذا شيء ممكن يكون مدمر مش بس للعائلة أو للأطفال وإنما للمجتمع نفسه

يمكن ييجي حدت يقولي إنه هاد مثال مش واقعي. 100%، هذا مثال مش واقعي لمجتمعنا لأنه اللي بصير عادة العكس وهو إنه المرأة بتتحمل زوج يسيء معاملتها وتضحي بحريتها وسعادتها عشان اولادها، لكن في أمثلة من مجتمعنا نفسه شائعة ومبنية على نفس المبدأ: كم مرة سمعت عن واحد قرر يتزوج على مرته لأنها كبرت أو بطلت قادرة تقوك بواجبها الزوجي أو حتى لمجرد إنه بده يتزوج عشان بده يتزوج؟ أنا شخصيًا مرق علي كتير قصص من هذا النوع، وسواء كنت تشوف إنه هذا تصرف صحيح أو خاطئ بالنهاية إذا بدنا نوصفه رح نقول إنه هذا الرجل أعطى أولوية لمتعته الشخصية على حساب قيمة أسمى مثل الوفاء لزوجة أفنت عمرها معاه ومراعاة مشاعرها، ومن المشاهدات الواقعية بقدر أقول إنه دمّر عائلته وظلم اولاده من أجل غرائزه الشخصية التي يتخذها كتبرير

اللي بده أقوله باختصار: إنت كإنسان أجهل من إنك تعرف شو الصح وشو الغلط، إنت بتوزن الأمور وبتجرب وبتشوف شو بصير معك، واختيارك مش دائمًا عقلاني وفي أحيان كتيرة بتمشي ورا اللي بدك إياه مش ورا اللي شايفه صح، وأن ما تظنه حدساً قد يكون دفقة هرمونات، وأن إقرارك بأن خياراتك وقناعاتك في الحياة تحتمل الصواب والخطأ هو أهم مفتاح عشان تخلي رجليك على الأرض وما تضل تعيد نفس الأخطاء وما تئذي الناس حواليك، لأنك إنت وحريتك وسعادتك مش محور الكون، تضرب إنت وسعادتك

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s