قصة القراءة: من ماجد إلى منيف

من فترة كنت بقرأ بكتاب مقالات، وإذا بها وحدة من المقالات عن رسام الكاريكاتير المصري أحمد حجازي. بالنسبة إلي ولجيل كامل اسم حجازي مرتبط ارتباط وثيق بشخصية “زكية الذكية” المحفوظة في درج ذكريات خاص تحت اسم “مجلة ماجد”، والجيل اللي لحق وتابع مجلة ماجد بعرف إنه في حميمية خاصة مرتبطة بأي شيء ذو علاقة فيها. هو يمكن زكية الذكية ما كانت الشخصية المفضلة عندي أو عند كتير أطفال تانيين، كنا نحب “كسلان جدًا” و”موزة ورشود” عشان احنا بطبيعتنا Self-destructive  وبنحب الهمل، أما ناس محترمين زي زكية الذكية واسألوا لبيبة كنا نفشق عنهم. خلي عندكم جرأة أدبية واعترفوا إنكم كنتوا لما تيجي لبيبة تطفوا التلفزيون وتنزلوا عالحارة. جيل هامل ما احنا عارفين

ما علينا… إذا بدي أرجع لقصة كيف تعرفت على مجلة ماجد فهي مش قصة سعيدة كتير، وقتها كان عمي راجع من السفر وجايب باربيات لكل البنات واتضح إنه ناسي يجيبلي، ما هو احنا كنا كتار وأنا شوي إنفيزيبل بطبعي -والدليل إني كذا مرة رحت على مطعم ونسيوا يجيبولي الأكل- بس مش موضوعنا، المهم إنه كتعويض عن الباربي أعطوني مجلات كان منهم مجلة ماجد. وبصراحة الرمزية في الموقف لا تقدر بثمن، استبدال الباربي اللي بتربي صور نمطية عند البنات الصغار بمجلة تفتح عيونك على متعة القراءة مش شيء سيئ أبدًا، مع العلم إني لحد هداك العمر (صف ثالث) كنت أعشق الباربيات وأشتري وحدة كل ما يصحلي. أنداري لو خلوني عالباربيات كان يمكن هلأ أنا فاشينيستا ومعي مصاري

المهم، هكذا تعرفت على مجلة ماجد وصرت أتابعها بشغف. السبب إني تذكرت حجازي مثلاً هو إني كنت أركز في أسماء الرسامين وحافظة أسلوب كل واحد بالرسم. حجازي كانت رسومه رزينة لدرجة بتحسها هندسية في انتظامها،”شمسة ودانا” كان يرسمها واحد اسمه إيهاب بتحسه طويل بال وبيرسم على مهله، و”النقيب خلفان والملازم فهمان” بالعكس بتحسهم مرسومين عالسريع، مش من باب الشلفقة وإنما من باب واحد عارف شو بيعمل. بس المفضل عندي كان نجيب فرح اللي برسم شخصية أبو الظرفاء، بتحس الشخصيات رح تطلع من الورق قد ما فيها حركة وألوان وحياة. ومعظم الرسامين هدول كانوا مصريين على فكرة، الأمر الذي يثبت للمرة الألف إنه مصر ولادة وأننا مدينون للموروث الفني المصري بالكثير. حقيقة أعتقد إنه مجلة ماجد مثال على تعاون عربي مثمر، دولة نفطية ثرية تستثمر في مجلة هادفة تبرز مواهب عربية من مختلف الدول، بدل ما مصارينا رايحة لترامب وشراء أسلحة منتهية الصلاحية وقنابل تدبح أطفال اليمن. احنا عنا ثروات وقدرات ممكن نسيطر فيها على العالم لو فينا شوية مخ بس

على كل حال، لست هنا بصدد السيطرة على العالم. أرجع لمجلة ماجد اللي عرفتني على القراءة وصرت أستناها من أسبوع لأسبوع. المجلة كانت تطلع يوم الأربعاء في الإمارات وتوصلنا يوم السبت. كان أبوي يجيبلي إياها من البلد أو مرات أشتريها إذا بلاقيها في مكتبة أو سوبرماركت قريب. بتذكر مرة نزل أبوي عالبلد يجيبلي إياها وضليت أستنى بس لما رجع حكى إنه ما لقاها، انفقست يومها بس لا حول ولا. لكن الأسبوع اللي بعده صارت شغلة لهلأ محفورة بذاكرتي، كنت في المدرسة وطلبوني عالإدارة، طلع أبوي جاي جايبلي عدد الأسبوع الماضي وهاد الأسبوع من مجلة ماجد – جابهم عالمدرسة لأنه يومها كان الباص رح يروحني على بيت ستي مباشرة ورح أنام عندها- من فرحتي لهلأ متذكرة ألوان الغلاف، وحدة زرقا ووحدة برتقالية، وشو تقول كإني لقيت كنز. الواحد كانت أحلامه بسيطة فعلًا

المشكلة مجلة ماجد كان تنقرأ في يوم، فأصير أدور على أي إشي تاني أقرؤه. صرت أقرأ أي إشي يوقع في إيدي، بعدين صرت أنا أعمل مجلات، أجيب دفاتر أكتب فيها مواضيع وأرسم كاريكاتيرات وأخترع شخصيات. ثم فجأة ظهرت قصص المكتبة الخضراء، وكانت اكتشاف صراحة. ما بتذكر متى بالضبط بس بتذكر إنه في يوم من الأيام رجعت إمي جايبتلي كم قصة منهم وقالتلي بس أخلصهم أحكيلها عشان تجيبلي غيرهم. صارت تجيبلي خمس قصص أقرأهم بنفس اليوم وأروح أقولها خلصوا. بالآخر بطلت توفي معها قالتلي هدول بجيبلك إياهم عشان تقرئي كل يوم وحدة مش هيك كلهم مع بعض. بس المحصلة بالآخر صاروا عندي كلهم تقريبًا وصرت أعيد قرائتهم حتى طلعوا من مناخيري. المفضلة عندي كانت قصة اسمها “الشاطر محظوظ”. بتذكر حتى أخوي الصغير كان يحبها كتير وكان لسا ما بعرف يقرأ فأقعد أقرأله إياها وكل ما أقوله أقرأله وحدة تانية ما يقبل، لا، بدنا نضل نقرأ الشاطر محظوظ للأبد

وصاروا أهلي يجيبولي أي مجلات وقصص أطفال بلاقوها، ويمكن أحلى إشي جابولي إياها واللي بندم إني فرطت فيهم لحد الآن هي سلسلة كليلة ودمنة المصورة. قصص كليلة ودمنة مبسطة ومعمولة على شكل كوميكس. قرأتهم حتى انهريت وضلوا عندي فترة وما بتذكر وين راحوا بالآخر بس نفسي أرجع ألاقي زيهم هلأ. خسارة جد

في عمر معين بلشت أطلع من مرحلة قصص ومجلات الأطفال، لكن للأسف ما عرفت شو ممكن أقرأ، وأهلي كانوا يقرؤوا زمان لكن مع مشاغل الحياة بطّلوا متابعين، فما كان في توجيه إنه شو ممكن أقرأ في هداك العمر، بس كان عنا مكتبة كويسة فيها كتب ألف ليلة وليلة وشوية قصص وروايات بالعربي والانجليزي ودواوين شعر نزار قباني ومحمود درويش وغيرهم، فحاولت أسلك فيهم. نسخة ألف ليلة وليلة اللي كانت – ولا تزال- عنا نسخة أصلية مش مختصرة ولا معدلة، ففش داعي أحكي إني كنت أحاول أقرأ وما أفهم إشي تقريبًا. قصص داخلة في قصص ومصطلحات عربية عمري ما سمعت فيها، ومنيح إني ما كنت أفهم بما إني اكتشفت على كبر إنه القصص كانت +18. كنت أطقطق هون وهون، أو أمسك ديوان نزار قباني وأشوف شو فيه قصائد ما غناها حدا وممكن تتلحن وأقعد ألحنها، وبحب في هذه المناسبة أقول للطيفة التونسية إنه نسختي من “تلومني الدنيا” أحسن من نسختها وإني اكتشفتها أول

وبتذكر أول رواية قرأتها كانت نسخة مختصرة من “أوليفر تويست” كانت موجودة عنا، كنت صف تامن وكان علينا نكتب تقرير عن قصة أو رواية من اختيارنا. طبعاً لا متذكرة شو قرأت ولا شو كتبت بس عادي، هاي معضلة القراءة الأزلية، عشان هيك بستبيح عرض الكتب وبخربش عليها بأقلام التظليل الملونة عشان أعلم الفقرات اللي بهمني أرجعلها أو أتذكرها بعدين

المهم، ضل الوضع هيك حتى دخلت الجامعة، بطبيعة دراستي صرت أقرأ القصص والروايات المقررة علينا. بتذكر في مادة الرواية كانت أول رواية درسناها “ويذرنغ هايتس”، وسألتنا الدكتورة إذا كان حد قرأ الرواية قبل ما نبدأ فيها، وانقهرت إني ما كنت قارئتها -لأني كنت نيردة بصراحة- عشان هيك قبل ما نبدأ بالرواية التانية واللي كانت Girl with a pearl earring  قرأتها كلها، واحزروا شو؟ الدكتورة ما سألت إذا حدا قرأها 🙂 وهنا تعلمت الدرس إنه عمرك ما تقرأ عشان تعرط أو تتشاطر، لأنه ما حد سائل ومحد درى بك، وكتير بتفرق لما تحكي عن الكتب لأنك حاببها وحابب تحكي عنها، وبين إنك تحكي عنها عشان تاخد علامات مشاركة زيادة أو تعمل حالك قارئ ومطالع. فعلياً تقعد سنة تقرأ كتاب واحد مستمتع ومركز فيه أحسن ما تدخل تحدي “100 كتاب في 100 يوم”  تشلفقهم شلفقة وتحس إنك عامل إنجاز

بس ما كان يخطرلي أقرأ كتب برا المنهاج لحد ما بيوم من الأيام دكتورة الترجمة نصحتنا نقرأ كتاب الملكة نور A leap of faith  عشان لغته حلوة كتير. فعليًا لو هلأ حدا ييجي يحكيلي اقرئي كتاب كاتبه ملك أو أمير مثلًا مش رح أغلب حالي حتى أفكر في الموضوع، مش مهتمة ولا مؤاخذة، بس وقتها رحت اشتريت الكتاب فورًا لسبب ما. وضل الكتاب محطوط على الطاولة ومش صايبته لفترة، بعدين مسكته وقررت أقرؤه، وإذا بها اللغة فعلًا مرتبة صراحة، وبقدر أقول إنه من الكتب اللي ساعدتني أتمكن من الانجليزي أكتر، وكان مسلي كمان للأمانة، وهو أول كتاب رجعني أقرأ كتب خارج إطار الدراسة.

اللي ساعد كمان إنه خلال فترة الجامعة اكتشفت منتديات أبو محجوب على الإنترنت اللي كانت عالم آخر بالنسبة إلي، وكان فيها قراء كتير وصاروا يشاركوا أسماء كتب بحبوها ويحكوا عنها، وأنا كوني كنت منقطعة عن القراءة إلا المجلات والروايات والقصص اللي بناخدها بالجامعة لقيتها فرصة ذهبية، صرت أكتب أسماء الكتب وأروح على المكتبة اللي مقابل الجامعة وأشتري الكتب اللي بلاقيها. ساعدني وقتها إني كنت أشتغل ترجمة فريلانس فكنت بقدر أشتري كتب، خاصة إني ما كنت أطلع طلعات مكلفة وما كنت كتير أهتم إني أشتري أواعي – فعليًا كنت أقضي الفصل بلبستين تلاتة أضل أعيد فيهم- ومش فارقة، أيام الزمن الجميل لما الواحد كانت حياته أقل استهلاكية. وهاي معضلة بحد ذاتها، لأنه عمومًا الكتب مش رخيصة والناس عندها أولويات ومستنقعات كتير في ظل الوضع الاقتصادي القائم، فطبيعي إنه طالب مصروفه أقل من  10 دنانير بالأسبوع شامل مواصلات أو شخص دخله محدود وبحب يقرأ كتير، طبيعي يعتبروا كتاب حقه 5 دنانير غالي ويفضلوا يستعيروا أو يجيبوا نسخ مقرصنة، بس غير الوضع الاقتصادي احنا كمان عنا ثقافة استغلاء للكتب واستخسار للمصاري فيها حتى بين المقتدرين نسبيًا، يعني الواحد عنده استعداد يدفع عشان يروح عالسينما أو عشان يأرجل كل يومين تلاتة  وفي نفس الوقت بعتبر الكتاب اللي حقه 6 دنانير غالي. وكله بصب بالنتيجة إنه ما يكون عنا صناعة نشر احترافية زي باقي العالم، حتى بعض الكتّاب المعروفين عنا بكون همهم كتبهم الناس توصل للناس ويقرؤوها أكتر من إنه الكتب تبيع ويجيهم عائد مادي، لكن هذا موضوع لوقت آخر

نرجع لموضوعنا، صرت مهووسة إني أشتري كتب وصار عندي رف كتب وكذا، ومن كتر الحماس كنت أجيب تجليد وأجلد الكتب عشان أحافظ عليها (النيرد بضل نيرد) بس بعدين ملقت خلص، مش عيشة. أصلًا حلاوة الكتب لما تقدم وتصفر. لكن معظم أو حتى كل الكتب اللي كنت أقرأها كانت بالانجليزي، سواء لغتها الأصلية إنجليزي أومترجمة للإنجليزي. في يوم من الأيام قررت أصير أقرأ عربي، لسبب ما قررت أبدأبعبد الرحمن منيف، وبكل ثقة رحت جبت روايته “حين تركنا الجسر”، وإذا كنت فهمت من ألف ليلة وليلة إشي بكون فهمت من حين تركنا الجسر إشي. طلاسم والحمد لله. وفكرت إنه الروايات لعربية كلها هيك فقفلت منها ورجعت للكتب الإنجليزية. المضحك في الموضوع إنه مع إني ما فهمت إشي من الرواية تقريبًا إلا أن ذلك لم يمنعني إني اعمل عنها بحث لمادة الترجمة من العربي للإسباني. اه مش فاهمة شو القصة بس عادي ترجمت أجزاء منها للإسباني وشرحتها بالإسباني ونزلت المادة A، وهنا يكمن جمال الأدب وجمال الترجمة. يعني لما يكون عندي امتحان رواية مثلًا أراجع كم ملاحظة عنها وأفوت أنام، ثم أروح عالامتحان أكتب صفحتين فولوسكاب ويحرم علي إذا متذكرة كلمة كتبتها، أخترع دوافع شخصيات وأحلل نفسيات وأفتري عليهم للصبح والدكتورة تكون مبهورة. إنت بتطلق العنان لخيالك وسليقتك وبتتوكل على الله، مش تقولي طب وهندسة واقتصاد وسهر ليالي

المهم، عبد الرحمن منيف قفلني من العربي، وهي غلطتي مش غلطته لأنه فش حدا مبتدئ كتب عربية ببدا برواية زي حين تركنا الجسر. الفكرة إنه الأدب العربي نشأ في ظل أنظمة استبدادية دفعته للإغراق في الرمز، صارت الروايات العربية كلها شيفرات بدك تحللها عشان تفهمها وتستمتع فيها، وهذا شيء كويس بس مش لحدا لسا ما عنده اطلاع كافي على الأدب والسياسة والتاريخ. تركت الكتب العربية لفترة منيحة لحد ما اكتشفت كنز اسمه غسان كنفاني خلاني أشوف إنه الأدب ممكن يكون مفهوم وسلس وعميق في الوقت نفسه، وبعد كم سنة بدأت تطلع نوادي القراءة مثل انكتاب اللي كان فرصة الواحد يتعمق أكتر داخل الكتب، وحاليًا بقرأ كتب عربي أكتر بكتير مما بقرأ انجليزي. الفكرة إنه الكتب في العالم لا تعد ولا تُحصى، الخيارات كتيرة ولا بد من حدا يساعدك ويدلك شو تقرأ لأنه العمر قصير والكتب كتيرة، واللي مش رح تلحق تقرؤه أكتر بكتير من اللي رح تقرؤه مهما عشت

بحب إنه التكنولوجيا وفرتلنا فرصة نحصل على كتب أكتر بنسخ إلكترونية مثلًا، أو ككتب مسموعة، بس بنفس الوقت التكنولوجيا وسائل التواصل قللت من جلدنا على القراءة بشكل عام، وحتى الكتابة، الفكرة اللي كان الواحد يكتب عنها صفحة كاملة على مدونة ويسترسل ويستطرد فيها صارت تختصر بسطرين على تويتر، وأصلًا بطلنا نحب نقرأ مقالات طويلة، أعطيني الزبدة وخلص. حتى الأطفال بطلوا يستنوا مجلة ماجد وغيرها، المهم الآيباد يكون مشحون، وقبل ما يصيروا بالإعدادي بكون صار عندهم تلفونات ويطلعوا لايف عالفيسبوك. فش أحلى من منظر طفل بيقرأ، خاصة في زمن بطّلت الكتب تقدر تنافس المحتوى المبهرج الجاذب الموجود على الإنترنت والأجهزة

هاد الجيل شو ممكن تعمل معاه زكية الذكية؟ رحمة الله عليك يا حجازي

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s