شاشة بيضاء

صدح رنين الهاتف قبيل الفجر، فنهض كل من في المنزل يتسابقون ليكونوا أول من يسمع الخبر وينقل البشارة. كان طبيعيًا أن يكون أصغرهم عمرًا وأخفهم حركة هو من استطاع الوصول أولًا، قافزًا فوق رؤوس إخوته بمجرد سماع الصوت، منقضًا على الهاتف قبل أن تصل إليه يد أمه.

“ألو… نعم…  توقعت!”

اختطفت أمه الهاتف منه فركض نحو إخوته صائحًا ببهجة: “هاد جدي! جدي!” فيما كانت أمه تكرر كلمات “مبروك، عقبال عند الجميع”

لم ينم أحد من فرط الحماس، ومع شروق الشمس كانوا قد تجهزوا وخرجوا من البيت متجهين إلى بيت العائلة الكبير، حيث كان الجميع قد ارتدوا ملابس حضروها في انتظار هذا اليوم، ثياب وقورة لكنها في الوقت ذاته لا تخفي ابتهاجًا بالمناسبة. تبادل الجميع التحيات والتهاني، تعانقت الأخوات وهنّ يرددن: “هذا ما كان يريده، لقد انتظر كثيرًا”…

في الزاوية جلس عجوز صامت، انتبه إليها ابنه فاقترب منه وهمس محاولًا عدم لفت الانتباه: “مش وقت غيرة هلأ، عارف إنك تأخرت وإنه أصغر منك دورك رح ييجي، لا تخاف، حاول تفرحله هلأ…”

خرج الرجال إلى بيت الدفن فيما تجهزت النساء للذهاب إلى بيت العبور وتحضير الترتيبات هناك. احتج أحد الأبناء على أن النساء يستأثرن بالوظيفة الأفضل، لكن الأمر كان محسومًا منذ عقود: الرجال يشيعيون الجسد، والنساء يهيئن لتشييع الروح.

بعد الجنازة التقى الجميع في بيت العبور حيث اصطفت عشرات الكراسي في قاعة كبيرة في صدرها شاشة بيضاء كبيرة. ما أن جلس الجميع في أماكنهم حتى ساد القاعة هدوء تام وتسمرت أعينهم على الشاشة. دقيقة، دقيقتان، ثلاثة… ثم بدأت الشاشة تومض بألوان متعاقبة، حتى استقرت على وميض أبيض لؤلؤي، لم يلبث أن بدأت ملامح الجد الراحل تتبلور فيه شيئًا فشيئًا، عيناه فانفه فابتسامته التي بدت كأنها أضاءت القاعة وبعثت فيهم طاقة مفاجئة حملتهم على التصفيق والتهليل…

“كيفك يا جدي!” صاح أحد الأحفاد

“كيفني؟ كيف بدي أكون يعني؟ عال العال فش أحسن من هيك، إنتوا اللي كيفكم”

“يعني مرتاح؟” سألت ابنته

“أوووه شو مرتاح، وين كنا ووين صرنا، ولا حاسس بإشي”

“فش وجع يعني؟”

“ولك هبلة إنت؟ بقوللك مش حاسس بإشي. هيك حاسس حالي ريشة، أتاريه الواحد كان شايل كتير” ثم التفت إلى العجوز الصامت الذي جلس متجهمًا في الصف الأخير وصاح: “أبو أحمد، خلص فكها يا زلمة، كلها شوي وبتلحقني إنت التاني. بعدين أنا مرتي هون إنت مرتك لسا عندك”

في تلك اللحظة ظهرت من زوجته ورائه، يد على طتفه وباليد الأخرى تلوح للجمع بحبور.

“انبسطي يما، ضليتي تنقي حتى إجا لعندك” قال ابنهما ضاحكًا. “ضليتي رايحة جاي لعندي في الحلم، ساعة تاخدي جكيته، ساعة تاخدي تلفونه، هلكتينا يما!”

“ولى إنت وياه…” تدخل الجد “مش تجننونا كل يوم والتاني وإلا إنتوا بدكم تحكوا معنا، بدنا نروق”

“اه بس انتوا كمان لا تقطعونا” قالت إحدى الحفيدات

“نص نصيص إنت روحي التهي بدراستك، وقولي لأخوكي يسوق شوي شوي بديش أشوفه ناطط عندي كمان كم يوم”

استمر الحديث ساعة سادها جو احتفالي تخللته بعض الدموع ما بين اشتياق وذكريات وفرح بالراحة الأبدية والتحرر من أثقال الجسد وعلله. تململت الجدة من الجانب الآخر معلنة انتهاء وقت الاتصال، فتبادلوا تحيات وداع مؤقتة…

صاح أكبر الأحفاد قبل اختفاء جديه عن الشاشة مرددًا نكتته المستهلكة: “بتوصوا إشي من عنّا؟”

جاء صوت الجد بعيدًا مع تلاشي وجهه عن الشاشة…

“ليش هو إنتوا عندكو إشي نوصي عليه؟ والله ما انتوا عايشين…”

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s