الرسالة

قرأ القصة للمرة الثالثة، ابتسم زهوًا في سرّه، كان يدرك وهو لم يتجاوز العاشرة أن هذه تراكيب لا يستخدمها طفل في العاشرة. كان لا بد لساعات العزلة في المكتبة أن تتجلى على لسانه وقلمه، ولو لم يكن يقصد بها سوى تمضية الوقت وتجنب المشاكل

“أحسنت” قال الأستاذ وهو يدس القصة في يديه من جديد. “ستقرؤها أمام مشرف الوزارة حين يزور صفكم اليوم”

ما أن طلع الصباح حتى توجه بقصته إلى أستاذ اللغة العربية الذي كان يقف وسط باحة المدرسة حاملًا عصا طويلة يهشّ بها على الطلاب استعدادًا للطابور. راح يراقب تغير ملامح وجه الأستاذ، عبوسه الصباحي المعتاد الذي أخذ يلين ويتحول إلى انفراج في الشفتين واتساع في العينين. أراح عصاه على الأرض وبدا كأنه نسي الطلاب والطابور الصباحي، وحين قلب الورقة الأخيرة كان تجهمه قد استحال ابتسامة صريحة: هذا الولد هدية من السماء

أمضى الحصص الأولى يتدرب على قراءة القصة خلسة من تحت درجه، وفي ذهنه كل الاحتمالات الممكنة: سيُدهش المشرف كما دُهش الأستاذ، وسيحملها معه إلى الوزارة وينبؤهم بالموهبة الصغيرة التي اكتشفها في إحدى المدارس الحكومية، ثم سيتواصل معه مسؤول من وزارة الثقافة ويسأله إن كان بوسعه كتابة بضع قصص أخرى لنشرها كمجموعته القصصية الأولى…

كان فكرة القصة التالية قد بدأت تتشكل في ذهنه حين قاطعها وقوف الطلاب تحية للمشرف الذي دخل وألقى التحية، ثم أمرهم بالجلوس قبل أن يردوها. أعطى الأستاذ ملخصًا لدرس الحصة السابقة ثم طرح بعض الأسئلة التي تسابق أوائل الصف للإجابة عنها، مستعرضين مهاراتهم في الحفظ وتفخيم الأحرف. أثنى المشرف على نجابة الطلاب، فزاده الأستاذ من البيت شعرًا أن بينهم  كتّابًا واعدين أيضًا

بإشارة من الأستاذ، حمل قصته ووقف مواجهًا الصف. شعر بجليد يكسو شفتيه وهو يقرأ السطور الأولى، لكنه ما لبث أن ذاب تحت دفق الكلمات التي شكّلها بحرص وراح يسمعها بصوته للمرة الأولى، والأستاذ يهز رأسه بين الحين والآخر ثناءً على إعرابه السليم للأفعال المعتلة والأسماء الممنوعة من الصرف

لم يدرك الأطفال أن القصة انتهت إلا حين بدأ الأستاذ بالتصفيق فتبعوه. أثنى عليه ثم توجه بالمشرف لسؤاله عن رأيه فيما سمع. تنحنح المشرف واعتدل في جلسته، وبكلمات منمقة لم يفهمها أكثر من نصف الطلاب أبدى إعجابه باللغة والبناء القصصي والإبداع في الوصف، وأثنى على قدرة الكاتب على شد المستمع، ثم استدار نحو الكاتب الذي كان لا يزال واقفًا أمام الصف، قابضًا على قصته بكلتَي يديه، تعلو وجهه ابتسامة جاهد لكبحها

“لكنني أتساءل…” قال المشرف محركًا يديه النحيلتين المكسوتين ببقع تشهد لأعوامه السبعين “ما هي الرسالة من هذه القصة؟”

كان الولد مستعدًا للإجابة عن أسئلة كثيرة تدرب عليها في ذهنه مرارًا وتكرارًا، لكنّ هذا السؤال لم يكن من بينها.

“الرسالة؟”

“لا بد لكل قصة من رسالة هادفة تخدم هدفًا نبيلًا يساهم في تعزيز الأخلاق ونشر الفضيلة و…”

اقترح المشرف تعديلات تجعل القصة عملًا هادفًا وتمكنها من المنافسة في مسابقة القصة القصيرة التي تقيمها الوزارة، إنها قصة ممتازة بلا شك، لكن تنقصها رسالة واضحة.  ارتبك الأستاذ وبدا عليه شيء من الخجل لإعجابه بعمل يخلو من رسالة، لكنه استدرك بالقول إن الكاتب لا بد سيجري التعديلات اللازمة التي تجعل من قصته عملًا جديرًا بالإدراج في المناهج الدراسية

في اليوم التالي كانت القصة حديث المدرسة كلها، كل أستاذ يراه في الساحة أو يدخل على صفه يعرب عن إعجابه الشديد بالقصة التي يمكن أن تتحول إلى مسرحية مهمة، لكنهم ما يلبثون أن يتنهدوا بأسف على غياب الرسالة. لا بد من رسالة

في غرفته ليلًا، راح يضيف ويمحو ويعدل، محاولًا أن يعطي القصة رسالة ما، مرة يجعلها عن الصدق ومرة عن الأمانة ومرة عن بر الوالدين، وفي كل مرة تتحول إلى مسخ لا يشبه القصة الأصلية في شيء، أو حكاية من حكايات ما قبل النوم

طلع الصباح ولم ينم. طبع القصة بعد التعديلات النهائية ووضعها في مغلف كتب عليه عنوان وزارة الثقافة كما جاء في تعليمات المسابقة. ارتدى ملابسه وخرج متجهًا إلى صندوق البريد، وبهدوء، ودون أن يهتم إن رآه أحد، ألقى بالمغلف في سلة القمامة المجاورة للصندوق، وأكمل طريقه إلى المدرسة

2 responses

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s