زعلطية ما بتحكي إلا عربي

“بنتي زعلطية ما بتحكي إلا عربي”

في ظل انتشار ظاهرة “أنجلزة الأطفال”، واللي بنات أختي كانوا جزء منها للأسف، صار الواحد مرات لا شعوريًا لما يحكي مع طفل يستخدم مصطلحات انجليزية، فبدل ما تقول للطفل مثلًا: فرشي اسنانك بتقوله brush your teeth. وغالبًا بتعمل هاد الإشي بدون ما تنتبه، لكني من فترة انتبهت للي بعمله لما صارت بنت أختي الصغيرة قمر اللي عمرها سنتين تترجم الكلام الإنجليزي لعربي. مش قادرة أوصف مفاجأتي لما مرة قلتلها: أعطيني الball قامت حكتلي: الطابة، ودارت وجهها بكل هدوء. وأنا كمان شوي رح أعيط من الفرحة. وتكرر هذا المشهد مع مصطلحات أخرى، وأنا أقول الحمد لله وحدة منهم نجت من الزحف اللغوي الأجنبي.

لكن لاحقًا الموضوع عمل مشكلة لما إجت عاملة المنزل الفلبينية الجديدة، وصارت تشكي إنها مش قادرة تتفاهم مع قمر لأنه قمر بتحكي معها عربي ومفترضة إنها رح تفهم عليها. فإجت أختي بتضحك وبتقولي: “ما هي بنتي زعلطية بتحكيش إلا عربي”.

طبعًا أنا بعرف إنه أختي ما حكت هاي الجملة عن سبق إصرار وترصد ولا من منطلق نظرة دونية شخصية للي بحكوا عربي لأنه بالنهاية احنا تربينا بمدارس عربية وبيئة عربية ونحضر كرتون عربي ونخالط اصحاب عرب والله يستر على حصص الإنجليزي اللي خلتنا نحكي لغة ثانية. وبغض النظر إنه قمر زعلطية لأسباب أخرى ملهاش دخل باللغة، إلا إنه فكرة كون الحكي العربي مش كول أو أقل مستوى من الحكي بلغة أجنبية فكرة موجودة ومش رح ينفع ننكرها .

وهاي الفكرة مش بس بين جيل الأطفال الجديد تاعون المدارس الإنترناشونال اللي ما بيقرؤوا إلا كتب إنجليزي وبيحكوا بعض إنجليزي. إذا بتتذكر قبل سنوات، خلينا نقول لحد أول الألفينات، كان في اتفاق ضمني إنه اللي بكتب مسجات موبايل بالعربي حفرتلي. وأنا آسفة على المضمون العنصري بس هو تصوير لحالة مش مصادقة عليها. كنا فعلًا يا إما بنبعت لبعض بالإنجليزي أو إنه بنكتب عربي باحرف إنجليزي. طبعًا شوي شوي اكتشفنا مدى الغباء إنك تحكي مع صحابك عالتلفون بالعربي وبس تيجي تبعتلهم مسجات تقلب على لغة وسيطة وإنتوا مش محتاجين وسائط. وحسينا بصفاقة إنك toktob 3arabi haik. وشوي شوي صار الكل يحكي عربي ويكتب facebook status بالعربي والحياة حلوة

لكن السؤال، من وين إجت هذه النظرة الدونية للعربية؟ ودا سؤال برضه يا راجل، جلد الذات لعبتنا الصغيرة، ورغم إنه العربية لغة القرآن، وإنه أكثر علم برع فيه العرب وبفخروا فيه هو علم الكلام، إلا إنه تحولنا إلى الطرف الأضعف والمستضغفون في الأرض منذ قرون وما رافق ذلك من احتلال واستعمار وهزائم مخجلة ساهم في نظرتنا الدونية لأنفسنا وبالتالي للغتنا. حتى إنه في جملة بتتكرر على لسان ناس متعلمين ومثقفين مرات لما ما يعرف يعبر عن إشي بالعربي أو ما يلاقي كلمة مناسبة يقوم يقوللك: “بكره العربي مرات”، أو “جد العربي ما بنفع لتعبر عن كل إشي”. وخلينا نتفق على شيء هون: لما تحس إنه في عجز أو قصور في اللغة، فهذا عجزك إنت وقصورك إنت، لانه يا متعلم يا بتاع المدارس اللغة هي مجموع المفردات والتراكيب الموجودة في مخك، فالقصور في اللغة هو قصور قدرة مستخدمها وليس قصورها. حتى لو ما لقيت كلمة تعبر عن الإشي اللي بدك إياه كانت فعلًا مش موجودة في القاموس، استحدثها، اخترعها إذا مش موجودة، ولا هي اللغات كيف بتتكون غير هيك؟

وعشان نكون صريحين، اللغة العربية لغة صعبة، وهون بحكي عن اللغة الفصحى، مش لغة سهلة تتعلمها وتتقنها إذا ما كانت لغتك الأم، وطبعًا هاد سبب كافي إنه نركز على تعلم الأطفال للغة العربية، لأنه غتقان الطفل للغته الأم بعزز قدرته على تعلم لغات أخرى، ولأنه أي لغة ثانية مهمة سهل يتعلموها في المدارس، شو هو الانجليزي ولا الفرنسي؟ حكي فاضي، هينا كبرنا وتعلمنا وصرنا نرطم انجليزي واحنا تربينا على عدنان ولينا مش على بارني. والحقيقة صعوبة اللغة العربية مش لازم تكون إشي نستحي منه، فعليًا هي صعوبة تأتي كثمن للخصائص الجمالية والموسيقية والمرونة التي تتمتع بها العربية وتميزها عن بقية اللغات، والحركات والإعراب اللي بتعقد منه كتير ناس هو اللي خلا الشعر العربي لا يضاهيه أي شعر آخر، وهذه حقيقة لا يدركها إلا اللي بعرف عربي منيح، هات أحسن قصيدة إنجليزية ورح تبين زي أغاني الروضة تاعت الأطفال إذا قارنتها بوحدة من المعلقات على سبيل المثال.

وكل هذا الحكي بخلي الوضع اللي احنا فيه وعلاقتنا بلغتنا سبب أكبر للقهر. عنا لغة من أجمل اللغات الحية واللي ما ماتت ولا اندثرت رغم أفول شمس العرب، ومع ذلك بنستعر منها وعم نقتلها في أذهان اولادنا، بينما لغة ميتة من عشرين قرن زي اللغة العبرية رجعوا أحيوها من الرماد وصارت لغة مش بس للدين أو للحياة وإنما أيضًا لتدريس مختلف العلوم. وخذلك هذه القصة مثلًا، لما تم افتتاح المعهد التكنولوجي في تل أبيب كان هناك اقتراح للتدريس فيه باللغة الألمانية بدل العبرية كونه الألمانية أسهل للمصطلحات العلمية والتكنولوجية. قامت الدنيا وما قعدت، وطلعوا “الإسرائيليين” مظاهرات واحتجاجات حتى تم التراجع عن القرار واعتماد العبرية كلغة للتدريس في المعهد.

لكن ما أفسد علاقتنا بلغتنا لم يكن فقط الاستعمار والسياسات الاستعمارية والهزائم وما إلى ذلك. أحد الأسباب المهمة للأسف هم علماء اللغة أنفسهم على مر العصور، مش كلهم طبعًا لكن جزء كبير منهم، لأنه طبيعي لما تاخد لغة وتحطها بقالب متجمد وتنزع عنها أحد أهم خصائص اللغات الحية والتي هي المرونة والقابلية للتجدد، طبيعي الناس تنفر منها وتصير تحسها إشي صعب وما بفهمه غير المختصين، وتلاقي مصير لغات أخرى اندثرت مثل اللاتينية اللي تحولت للغة مقتصرة على النصوص الدينية. والابتعاد عن اللغة العربية ليس ظاهرة حديثة بل هو ظاهرة موجودة منذ قرون لنفس الأسباب المذكورة، ففي العصر العباسي مثلًا شاع الخطأ اللغوي على الألسنة وأصبح الناس يتجهون إلى اللغات الأجنبية، كما ورد في لسان العرب.

بعد هذا الكلام ممكن واحد بقرأ وبقول إني عم بكي عن اللغة العربية وأهميتها وأنا بكتب باللهجة العامية، هزلت. لا ما هزلت. أولًا، اللهجات العامية موجودة ما وجدت اللغة العربية، أصلًا كتير من الكلمات اللي بنعتبرها عربية فصيحة هي كلمات “عامية بمعنى أنها كانت موجودة في لهجات القبائل ولما تم جمع اللغة العربية جمعوا كل هذه الكلمات واعتبروها كلها فصيحة، عشان هيك بتلاقي عنا 100 اسم للسيف و500 اسم للأسد، وفي النهاية أحد تعريفات اللغة أنها لهجة كتب لها البقاء. القرآن الكريم مثلًا نزل بلغة قريش، وهذا لا يعني إنه ما كان في لهجات أخرى في جزيرة العرب، لكن طبيعة موقع مكة وأهميتها التجارية والدينية عند العرب جعلت لغتها هي السائدة والتي يفهمها الجميع، إشي زي الإنجليزي هلأ.

ووجود لهجات عامية حاليًا ليس تهديدًا للعربية. ما يهدد اللغة العربية فعلًا هو إنا نحاول نجمدها في قالب واحد ونغلط كل حدا حاول يضيفلها إشي جديد. اللغة العامية باقية واللغة العربية الفصيحة باقية لأنها لغة القرآن ولأنها كانت ولا تزال لغة التدوين الرسمية، وكون اللغة كائن حي يتطور بتطور الزمن فالحل يكمن في أن تتسع اللغة العربية لتستوعب العامية، فلا العامية تطغى عليها وتمحوها ولا الفصيحة تلغي العامية، فمهما حاولت الناس بالشارع مش رح تحكي لغة المعاجم، ومهما صححت وأصريت أنا شخصيًا مش رح أصير أحكي “مبارك” بدل “مبروك” ولا رح أكتب في السيرة الذاتية “تخرجت في الجامعة الأردنية” بدل “تخرجت من الجامعة الأردنية” ولا رح أكتب في الترجمة “الشارع الرئيس” بدل “الشارع الرئيسي”.

الخلاصة، إن كان في حدا بده يستعر من حدا فالأحرى إنه لغتنا تستعر منا من كتر ما جمدناها وشوهنا سمعتها. واللغات الثانية مهما لقيناها “كوول” و”معبرة”، رح نضل بالنسبة إلها دخلاء و”زعلطية”…

Advertisements

ماذا لو كان الكلام رصاصًا؟

“في الساعات الأولى من صباح 13 تموز 1942، كانت كتيبة الشرطة الألمانية الاحتياطية 101 والمؤلفة من 500 رجل متوسطي الأعمار وهم أرباب أسر ولم يتلقوا إلا القليل من التدريب، وقد فرزوا الآن إلى بولونيا بقيادة (تراب). وبصوت أجش وحزين أبلغهم الآمر (تراب) بأن مهمتهم التالية هي البحث عن أهالي قرية (جوزفو) القريبة والبالغ عددهم 1800 شخص وقتلهم جميعًا. وما أثار دهشتهم هو أن (تراب) قال لهم إنه يعرف كم هي مهمة قاسية عليهم، ولذلك فإن من لا يريد أن ينفذ العملية يستطيع الاعتذار والتنحي جانبًا، ومن دون أن تكون هناك احتمالات للوم أو عقوبة.
 
من الخمسمئة رجل تنحى جانبًا 12 رجلًا فقط
 
يقول الكاتب إنه ما بين 10 و20% استطاعوا ألا يقوموا بواجبهم على أكمل وجه، وبينهم من أحسوا بالأسى في نهاية النهار. ولكن الآخرين استمروا في عملهم من دون أن يهتموا إلى أنهم أصبحوا مبللين بالدماء.”0
 
يورد الكاتب هذه القصة ثم يتساءل: إن كان هؤلاء الرجال العاديون قد تحولوا إلى قتلة بهذه السهولة، فمن منا يضمن ألا يتحول؟
 
كشخص عادي يقرأ هذا الكلام قد يكون جوابك البديهي أنك لا يمكن أن تتصور قيامك بالقتل أو ممارسة العنف الجسدي بهذا الشكل ضد إنسان آخر. لكن أشكال العنف عديدة، بعضها قد يخفى على المرء فيمارسه على أنه حق من حقوقه أو انتصار لقضية تعنيه. ومع تغير الزمن، تتغير أشكال العنف وتتطور، ويشمل ذلك التنمر الإلكتروني الذي نما وانتشر في السنوات الأخيرة بسرعة نمو مواقع التواصل وتزايد سرعة تناقل الأخبار بشكل يفوق سرعة الدراسات التي أجريت حوله
 
ما حدث مع المذيع العجلوني مؤخرًا مثال على ذلك. قد يشعر البعض بالإهانة من المقارنة بين شخص يوجه نقدًا وسخرية لاذعة ومؤذية بشخص مستعد لقتل رجل أعزل. لكن المقارنة هنا لا تهدف إلى اتهام أحد بانعدام الرحمة، وإنما للإشارة إلى جاهزية الإنسان لممارسة العنف الذي يشعر بأنه متاح ومبرر له. لا يمكن لمستخدم عادي للإنترنت -على الأغلب- أن يفرغ مخزن رصاص في جسد شخص لم يعجبه كلامه أو وجد أنه ارتكب غلطة تستحق الانتقاد، وسيعتبر ذلك جريمة، لكنه سيسمح لنفسه بمهاجمته والانتقاص من شأنه من دون التفكير في الأذى النفسي والمعنوي الواقع على ذلك الشخص
 
في عالم مثالي سيوجه الناس النقد إلى من يعتبرونه مخطئًا ويحاورونه في خطئه. أما في عالم الإنترنت وسباق وسائل الإعلام المحموم – الأبعد ما يكون عن المثالية- سيتنافس الناس في إطلاق النكات حول مرتكب الخطأ، ويتفننون في تهويل خطئه وقد يصل الأمر إلى إهلانته والنيل من شخصه، كل هذا وهم يرون أنهم يمارسون حقهم في التعبير لأنه ارتكب خطأ لا يمكن تبريره. ومجددًا في قصة المذيع العجلوني، حين حاول زملاء له في المهنة تبرير خطئه تم تسخيفهم ورفض تبريراتهم، رغم أن أي شخص فينا يمكن أن يكون ارتكب أخطاء في عمله بنفس الدرجة من الغباء، لكنها لم تظهر في أي وسيلة إعلام ليحاسب عليها
 
وبغض النظر عن صحة التبريرات، ما خلصت له كاستنتاج شخصي من حالات التنمر التي شهدتها عبر السنوات، والتي قد أكون شاركت في بعضها، والتي تعرضت لها شخصيًا، هو أن المتنمر لا يبحث عن التبريرات ولا يأبه بها، وإن رآها فإنه يتعامى عنها ليواصل ممارسة تنمره، فيكون جدوى النقاش مع متنمر كجدوى التفاوض مع إرهابي، لا عقل يشفع ولا منطق ينفع، وكما المتنمر لا يقبل التبرير، المتنمر عليه يزداد تشبثًا بموقفه مع اشتداد التنمر، أو يتضاءل خطؤه أمام الهجمة التي تعرض لها فيصبح ضحية ومظلومًا فحسب
قد يكون للضغط الشعبي الذي يتوفر من خلال المنصات الإلكترونية أحيانًا أثر مهم في التأثير على صناع القرار ودفع المؤسسات المختلفة إلى تغيير سياساتها فيما يخص قضايا معينة، لكن هناك فرقًا بين حق الناس في انتقاد السياسات والمؤسسات والسياسيين ومن شابههم من شخصيات عامة، وبين ممارسة العنف اللفظي والشخصنة والإهانة ضد أفراد بعينهم، وقد يكون مفيدًا لو سألنا أنفسنا قبل أن نكتب أي تعليق لاذع أو جارح لشخص لا نعرفه: ماذا لو كان الكلام رصاصًا؟
 
 

عزيزي هاروكي

عزيزي هاروكي

قد تستغرب من هذه الرسالة، فأنا لا أعرف عنك الكثير. في الحقيقة، لا أعرف حتى إن كان اسمك هاروكي، لكنني سأسميك هاروكي على أي حال. كل المعلومات التي أملكها عنك مصدرها إنستغرام، حيث أخبرني التطبيق بالأمس بأن أحدًا ما في منطقة ما بالقرب من اليابان حاول اختراق حسابي، وطلبوا مني تغيير كلمة السر، مما كان سببًا كافيًا كي أكرهك، وأنا أحملك مسؤولية هذا الكره الذي بدأت به علاقتنا العابرة للقارات

لكن الكراهية تلاشت بسرعة إذ وجدت نفسي أتساءل: من هذا البائس الذي يعيش في اليابان ويحاول اختراق حساب شخص شبه نكرة في هذه المنطقة المتهالكة من العالم؟ أليس لديك شيء أفضل، أي شيء على الإطلاق، تفعله بوقتك يا هاروكي؟ شغلت بالي، ورحت أتخيلك تجلس في شقتك الفارغة ذات الألوان الباهتة والإضاءة الخافتة، على طاولة بجانب نافذة صغيرة تطل على شارع تجاري قليل الحركة، بجانبك كوب وحيد من القهوة أو ربما الساكي، تطقطق بأصابعك النحيلة على لابتوب من فخر الصناعة الوطنية اليابانية، تحاول اختراق حسابات أشخاص لا تعرفهم ولا يهمونك، لأسباب غامضة مفتوحة على التكهن، كل منها يصلح لقصة

ثم لماذا قد ترغب في اختراق حسابي على إنستغرام؟ لا شيء هناك، ولا حتى إنبوكس مثير للاهتمام أو الفضائح. يمكنني أن أقول لك بنفسي ماذا ستجد فيه: الكثير من السيلفيز كمن تخشى الخرف وتذكر نفسها بشكلها بين الحين والآخر، وعدد لا نهائي من صور الطعام وأطفال الناس الآخرين، وبعض الصور مع الصديقات -والتي يتم اختيارها بعناية في كل مرة كي يكون الجميع راضيًا عن شكله فيها-، وعدد لا بأس به من صور لابتوب أو كتاب بجانب كوب قهوة وحيد مثل قهوتك. إن فكرت في الأمر، نحن لا نختلف عن بعضنا كثيرًا، فأنا أيضًا أجلس مع كوب شاي وحيد أمام شاشة لابتوب، أراسل دور نشر يمكنني المراهنة على ردها مسبقًا، وأبحث عن فوائد اللوز وبذور دوار الشمس لمقاومة عوامل الحت والتعرية، ويزدحم رأسي بمشاهد وقصص لا أعرف أين أكتبها أو كيف، وأكتب رسالة لشخص قد يتضح أنه روبوت في النهاية. الفرق بيننا أن غرفتي ليست باهتة الألوان، ولابتوبي ليس صناعة وطنية، ولا أحاول سرقة حسابات الناس

عزيزي هاروكي

كان بودي أن أدعوك لتشاركني بؤسك على كوب من القهوة في هذه المنطقة التي يبدو أنها تثير اهتمامك لسبب ما، لكنني أدرك أن احتمال وصول هذه الرسالة إليك هو كاحتمال قيام دار النشر المذكورة بأخذي على محمل الجد، ولا أظنك تقرأ العربية، ولا أنت بتوم هانكس ولا أنا بميغ راين، وأحد كوابيس حياتي أن أغير كلمة السر لأي تطبيق، فاترك حساباتي في حالها ويخلف عليك

لنتحدث عن الطبيخ

لنتحدث عن أصل الحضارة، لنتحدث عن الطبيخ

لا، مش تخويت ولا مسخرة لا سمح الله، ولا أنا من جماعة المرأة المتحضرة المستقلة بتعرفش تطبخ، ولا من الجماعة اللي بضربوا الطبيخ كمثال على “حكي النسوان الفاضي” وهو ممكن يعمل لمرته شر وشر وينكد عالدنيا إذا رجع عالبيت وما لقاها طابخة

الحقيقة إنه الحضارة البشرية ممكن تنقسم إلى فترتين: ما قبل الطبيخ وما بعد الطبيخ. تخيل الوضع ما قبل اكتشاف النار واكتشاف تأثيرها على الطعام. كان الإنسان القديم يقضي نص اليوم بجمع ثمار أو بيمضغ لحم ني عشان يجمع سعرات حرارية يا دوب تكفي عشان يرجع تاني يوم يجمع ثمار ويصيد حيوانات، تقريباً زي اللي بشتغل عشان بجيب مصاري يروح عالشغل، اختلف الزمان وعبودية حاجات البقاء واحدة. وطبعًا واحد بقضي يومه يقطف موز ويطارد جواميس مش حيكون عنده وقت يعمل إشي تاني، حتى الرسومات اللي بالكهوف بتقول النظريات إنها كانت من إبداع النساء لأنهم كانوا يقعدوا فاضيين يستنوا يرجع الرجل الغامض بسلامته ومعاه روزق اليوم، يعني النساء أول من مارس الإبداع واكتشفنا الفن قبل ما نكتشف الطبيخ، أسمع حدا يرجع يقول المرأة مكانها المطبخ بعد اليوم

بعدين حصلت الثورة، واكتشف الإنسان إنه بقدر يضاعف قيمة الطاقة في الطعام بتعريضه للنار وصار يحصل على كميات كبيرة من السعرات الحرارية في وقت أقل وبتناول كميات أقل. حتى إنه في عالم بقوللك إنه هاد الإشي ساهم في تطور العقل وبالتالي تطور الجنس البشري، بس بلاش نفوت في نظرية التطور حاليًا مش ناقصنا اتهامات كفر وزندقة والدنيا رمضان. لكن، كوننا بشر، وإذا بلشنا في إشي ما بنوقف حتى نمسخه ونحوله لسلاح تدمير ذاتي، أبدعنا في الطبخ حتى وصلنا مرحلة صار ممكن ناخد طاقة أضعاف حاجتنا اليومية بكميات تسمن ولا تغني من جوع، فانتشرت الشراهة والبدانة والأمراض المرتبطة فيها

ووصلنا مرحلة من العهر إنه الأكل صار ينكب في البحر للحفاظ على أسعاره في السوق بينما في ناس بتموت جوع، وصار الأكل نوع من البذخ والفن مش مجرد ضرورة حياتية. وأنا شخصيًا بحب الأكل وبعتبره فن فعلًا، لكن لما أشوف برنامج بورجيك إنه ممكن صحون كاملة تنكب في الزبالة لمجرد إنه الديكور مش زابط أو الجزر مش مستوي منيح، في وقت فيه واحد من كل ثلاثة أطفال في الدول النامية عندهم تأخر نمو ناتج من سوء التغذية، ساعتها بتحس إنه سم الهاري

أمنية كل إنسان تقريبًا يكون الأكل ما بنصح، وأنا بعتقد إنه إذا العلم توصل لطريقة يخلي الأكل ما ينصح رح تكون هاي نهاية الجنس البشري باختصار. تخيل حشود من الناس بتاكل ليل نهار من دون الحصول على طاقة، هياكل عظمية متحركة مكسوة بجلد باهت تتصارع على طعام لا يسمن ولا يغني من جوع، يعني لو بتتخيل جهنم ممكن يطلع معك هيك مشهد

الحاصل، إذا كان كلام العالم صحيح حول علاقة الطبيخ بتطور العقل، معناته نظريًا إذا القرود تعلمت الطبيخ ممكن فيلم Planet of Apes يصير حقيقة، وبالتالي رجاء اللي عنده قرد يحرص إنه ما يتعلم يطبخ حتى نتأكد من الموضوع

يسعد صباحك، والطفل المعجزة

قبل عشرين سنة تقريبًا، في إحدى حلقات برنامج يسعد صباحك عملوا لقاء مع طفل -عمره حوالي 8-9 سنوات- سموه “الطفل المعجزة”.كانت موهبة هذا الطفل المزعومة إنه ممكن يعطيك ناتج ضرب أي رقمين ببعض حتى الأرقام الكبيرة. بعد الترحيب والدردشة مع الأم حان الوقت لوضع الطفل تحت الاختبار، صارت المذيعة تسأل: 4 ضرب ألف، الطفل يقول 4 آلاف، 5 ضرب ألف، خمس آلاف. بعدين خشت عليه بالسخن، قالتله: 17 ضرب 18. صفن الطفل هيك وما جاوب. قامت رجعة المذيعة سألته: 7 ضرب ألف قاللها 7 آلاف. طبعًا هون الأم تدخلت وحكت إنه أشطر إشي بالأرقام اللي فيها أصفار أو شيء من هذا الهراء. وتاني يوم بالمدرسة إجينا كلنا نحكي عنها، لأنه بهداك الوقت كان الكل يحضر يسعد صباحك لشح الخيارات
هذا الطفل بيخطر ببالي كل فترة وفترة، وبفكر إنه خطيته برقبة كل شخص ساهم إنه يحطه بهالموقف الزفت سواء بعمل واسطة ف يالتلفزيون أو بإيهامه وإيهام أهله إنه طفل عبقري. الطفل هاد يمكن هلأ يكون موظف بمصلحة حكومية بمشيش المعاملات إلا إذا بحبحته بقرشين، أو أستاذ رياضيات نزيه مكافح بيعطي دروس خصوصية لآخر النهار عشان يسدد خوازيق.
الطفل ممكن يكون عالم ذرة حاليًا، ممكن يكون تغير بمليون طريقة، بعكس البرنامج اللي استضافه واللي لساته بيستحمر بالناس وبجدد وبنوع بطرق الاستحمار، من تقديم طفل على أنه طفل معجزة إلى الذهاب في رحلة ممولة من الحكومة على حساب المشاهدين المخلصين لإقناعهم بجدوى إقامة مشروع مفاعل نووي انبح صوت خبراء البيئة والطاقة وهم يحكوا في عدم جدواه وفي الدعوة إلى الاستثمار في مصادر الطاقة البدية الصديقة للبيئة من شمس ورياح
من الطفل المعجزة إلى المفاعل المعجزة. المشكلة إنه لما الطفل المعجزة ينزنق ويكتشف إنه قدراته الذهنية غير كافية للمهمة بتتدخل المذيعة وبتنقذ الموقف، لكن المفاعل لما ينزنق وما يلاقيش 60 مليون متر مكعب من المياه تبرد أعصابه، ولا يورانيوم بكميات وتراكيز كافية تشفي غليله، ويكتشف إنه موارده الطبيعية غير كافية للمهمة، رح تكون مشكلتنا أكبر من طفل رجع على بيته يوم الجمعة ليكتشف إنه الحياة أصعب مما يراه على التلفزيون الأردني

عن نعامة

النعامة من الحيوانات اللي إلها مكانة خاصة في قلبي.  هذا الكائن الغريب اللي مش مبين هو طير ولا بقايا ديناصور ولا شو بالزبط. شيء بديع الصراحة، كائن مبتلى وصابر، تخيل حالك عندك جنحان وبتبيض ومحسوب عالطيور بس كرشك ورجليك مش سامحينلك تنطلق، إشي بطقق من القهر، بس هي مش فارقة معها وإذا بتطلع بوجهها بتشوف انبساط أزلي قل مثيله.

أما عن سبب مكانتها الخاصة بقلبي هو أنها مرتبطة بأحد الدروس القاسية بالحياة اللي أخدتها على بكير. كنا في رحلة مع المدرسة لحديقة الطيور، يمكن كان عمري 5 أو 6 سنين مش متذكرة، العمر اللي ما حدا بياخدك جد فيه، وأنا في هداك السن كان منظري لا يساعد إنه حدا ياخدني جد، بتعرفوا سوبر ماريو؟ الفطرات اللي كان يدعثر فيهم في اللعبة، زيهم بس بجدايل

المهم، كنا واقفين أمام قفص النعام، والصغار والمعلمات مكيفين وعاملين ضجة بطبيعة الحال، وأنا عن نفسي كنت بطلع بصمت، وفجأة النعامة دخلت تخبت جوا، فصار في هرج ومرج وصاروا يحكوا ليش دخلت ووين راحت، قمت أنا بكل جدية واستياء حكيتلهم: لأنها زعلت منكم. وإذا بهم المعلمات صاروا يضحكوا كإني حكيت نكتة، وأنا وقفت أطلع عليهم وأحاول أفهم شو اللي بضحك بالموضوع، يعني لو كنت بنكت فهي نكتة زنخة لا أرضاها لنفسي بأي عمر. شو اللي بضحك في اللي حكيته؟ ما هو لو انخرستوا ولا وطيتوا صوتكم ما كانت انخرعت النعامة وفاتت تخبت جوا

بعد سنوات، ولما تذكرت هذا الموقف وسلسلة من المواقف اللاحقة -والأسوأ بمراحل- اكتشفت إنه مش دايماً الناس رح تاخدك جد، فلا تنتظر رد فعل الناس عشان تقيم الفكرة اللي عم بتعبر عنها. وتعلمت ما أضل كل ما وحدة من بنات خواتي تحكي إشي أصير أضحك وأدلع فيها لأني مش مستوعبة إنها إنسان عنده مخ وعم تكبر ويصير عندها أفكار. أما عن الضرر المتحصل هو إني أنا نفسي بطلت قادرة آخد نفسي وكتير أشياء في الحياة على محمل الجد

لكن السؤال الأهم: ليش النعامة فاتت تخبت وما دفنت راسها بالرمل؟ لأنه النعامة ما بتحط راسها بالرمل، أصلًا بتنخنق. النعامة بس بتحفر بالرمل عشان تحط بيوضها وتقلبهم تحت الرمل. #صحح_خبرك  #this_changes_everything

طلاب الجامعة الأردنية يعيدون إحياء ذكرى حرب البسوس

قام مجموعة من الطلبة وغير الطلبة من الغيورين على التراث الشعبي والمنظومة القائمة بإقامة احتفالية شارك فيها المئات، تعيد إلى الأذهان حرب البسوس التي استمرت أربعين عامًا حسب أقوال المؤرخين. وقال أحد المشاركين إنّ الفعالية تهدف إلى إحياء سيرة العظماء من أسلافنا وتقديم نماذج مشرفة للشباب الذي أصبحت تستميله رياح التغيير ودعوات الدولة المدنية الهادفة إلى محو التراث واللحاق بمن ضل من الأمم، ومن تلك الأمثلة الوضاءة كليب بن ربيعة الذي لم يسكت على قتل ناقة جار عمته فأشعل حربًا أتت على الأخضر واليابس، ومن جاء بعده أرباب الأنا القومية المتضخمة الذي ساروا على خطاه وتابعوا الاقتتال من دون أن يعرفوا السبب

وعلّق أحد المشاركين من تحت لثامه قائلًا: “إننا نواجه الآن خطرًا داهمًا يهدد أصالتنا وقيمنا المجتمعية البدائية، فقد أصبح بعض شبابنا يقولون بانتهاء زمن السيف والقوة ويدعون بكل صفاقة إلى سيادة العقل والمنطق، وهذه أفكار فاسدة تهدف إلى هدم قيم المجتمع المحافظ.” وحين سألناه عن الأمور التي يهدفون للمحافظة عليها تمتم بكلمات غير مفهومة فهمنا منها “أمن، أمان، استقرار، فزعة، مشيخة” ثم أطلق صرخة حرب طويلة ورفع سيفه وانطلق نحو المجهول

وعبّر أحد المشاركين الآخرين والذي يدعو نفسه “جساس” عن سعادته بنجاح الفعالية، ونفى التهم الموجهة إلى المنظمين بمحاولة التصدي لروح العصر، مؤكدًا أنه لا تعارض بين هذه القيم البدائية الأصيلة وقيم المجتمع المتطور، وكشف عن وجود خطط لتحسين الفعاليات القادمة بحيث تجاري متطلبات العصر وتعكس صورة مشرقة عن مجتمعنا أمام المجتمع الدولي، حيث أضاف قائلًا: “نسعى إلى طلاء الأسلحة البيضاء بالكريم شونتيه واستحداث رشاشات تطلق الكب كيكس بدلًا من الأعيرة النارية.”0

هذا وقد ألقي القبض على معتصمين كانوا يعترضون على رفع الرسوم الجامعية للحصول بحوزتهم على كتيبات تحث على التفكير وإعمال العقل وبالتالي بث الفتنة بين أبناء المجتمع الواحد المتماسك المتعايش أبو عيون جريئة، وسيتم البت في أمرهم بما يتوافق مع الحياء العام بعد فعالية داحس والغبراء المقرر إقامتها لاحقًا هذا العام

رسالة إلى العالم الموازي

أولادي الأعزاء

لا، أنا مش مجنونة ولا بدعي معرفة الغيب. ولا بعرف مين إنتوا أصلاً ولا كيف أشكالكم ولا أسماءكم ولا إن كنتوا موجودين في أي عالم موازي. كل ما في الموضوع إنه عندي شوية كلام حابة أحكيلكم إياه، عشان كل واحد يكون عارف اللي إلو واللي عليه

شوفوا، متل كل الناس بحس عندي خبرات ودروس وقصص كتيرة بدي أورثها للجيل القادم. وطبعاً مين أحسن من اولادك تورثله خبراتك، يعني مش رح تجيب ناس من الشارع تحطهم تحكيلهم قصص كل يوم، ما عندكاش سلطة أبوية عالناس اللي بالشارع، ولا بتعطيهم مصروف. اولادك هم جمهورك الأول، خاصة في سن الطفولة لما يكونوا شايفينك إشي كبير وبطل ونجم وكذا، هاي المرحلة لازم كل أب وأم يستغلوها، قبل ما الطفل يكتشف إنك يا دوب نواة ذرة في الغبار الكوني وتروح عليك.

وإنتوا صحيح تأخرتوا، لكن كل تأخيرة وفيها خيرة، مش بس لأنه الواحد بكسب خبرات أكتر وإنما لأني بصراحة غيرت رأيي بكتير أشياء ولو كنت مبرمجيتكم من خمس ست سنين كان هلأ لازمكم غسيل مخ وفورمات من أول وجديد. شوفوا هو أنا بس أرسى على بر وأبطل أفرمت كل سنة بصير خير إن شاء الله، بس حالياً أنا مش مستعجلة ولا أظن إنتوا مستعجلين

وبصراحة أكتر، مش إني مش مستعجلة، أنا على بلاطة مش فارقة معي إجيتوا أو ما إجيتوا. صدقاً. لا تفهموني غلط، أنا متأكدة إذا إجيتوا رح أحبكم أكتر من أي إشي بالدنيا، هذا شيء مفروغ منه رغم أنف كل النظريات النسوية، اسمحولي يعني فش أم بتولد ابنها بعدين بتقرر تحبه أو لأ. ممكن تكتئب وتكره الدنيا كلها بس هذا لا يعني إنها بتكون بتكره ابنها، هي بس مش قادرة توصل للحب اللي عندها لأنها مش شايفة قدامها. أي نعم هي العلاقة بين الأم والطفل بتبدأ علاقة تطفل والجسم في البداية بحاول يتخلص من الجنين، بس هاد كله بطريقة معقدة يقود إلى الحب الغريزي اللاعقلاني نفسه. بمعنى آخر، علاقتي فيكم حالياً زي علاقتي بالمجدرة. ما بعتبرها طبخة، ولا بتيجي على بالي، وبمتعض شوي بس أسمع اسمها، لكن بمجرد ما آكلها بحسها أزكى إشي في العالم

ومش رح أدعي العمق والحس المرهف وأقعد أقول إني ما بدي أجيبكم على هيك عالم قذر وبشع ومن هالحكي. أبداً. يعني هو من ناحية عالم قذر فهو قذر، ورح يكون أقذر بمراحل في الأغلب على وقتكم إذا استمر الوضع هيك. لكن هاي مشكلتكم صراحة، هاي احنا من وقت ما إجينا على هالدنيا من حرب لحرب ومن نكسة لنكسة، ولا كان عنا سبيس تون ولا بوستات تنظيرية وتوجيهية عالفيسبوك بتعلم الأهالي كيف يربوا اولادهم، وهينا عايشين ويا محلانا. أنا عارفة شو بدك تحكي إنت اللي هناك: “يعني من كتر ما إنتوا جيل ذهبي، ما إنتوا كلكم عقد نفسية”. أشوف شو بده يطلع من جيلكم إنتوا يابو نص لسان. فالمهم، عالم قذر مش قذر دبروا حالكم، أنا أكتر إشي بقدر أساعدكم فيه إني أحاول قدر الإمكان ما أساهم في الاحترار العالمي وما أغسل السيارة بالبربيش وإني أعمل إعادة تدوير. أسلمكم البيت نضيف يعني. أما إني ما أجيبكم عشان خايفة عليكم من هذا العالم البشع فلا، إنتوا مش أحسن من غيركم، ولا ع راسكم ريشة، وبالآخر لازم ييجي حدا يستلم الوردية

السبب الحقيقي إني ممكن ما أجيبكم هو قول الشاعر “إنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض”. يعني ليش بدي آخد شقفة من كبدي وأخليها تسرح وتمرح على كيفها وأضل قلقانة فيها؟ وخدلك عاد على الكبدة نزلت عالحارة، الكبدة راحت عالمدرسة، الكبدة راكبة بسكليت بالشارع، الكبدة عملت سناب تشات. وأنا عمري ما ربيت سمكة زينة حتى، ولا نبتة صبار، بحسهم مسؤولية، فما بالك بكبدي؟ هو الواحد لاقي كلاويه بالشارع؟ ولاحظوا إنه الشاعر قال أكبادنا مش قلوبنا مثلاً. احنا العرب أكتر ناس ردينا للكبد اعتباره -أو اعتبارها كونه الكبد مؤنثة على فكرة (هاشتاغ لغتنا الجميلة). حتى بالمسلسلات الكويتية، يا بعد تشبدي ويا بعد تشبدي. برافو علينا صراحة، عملنا إشي صح، ما هو الكبد لا يقل أهمية عن القلب. إذا القلب مضخة البنزين فالكبد هو مصفاة البترول نفسها.الخلاصة إنه عشان تخلف اولاد بدك إيمان قوي كتير عشان ما تضل خايف عليهم، أو سبب قوي عشان تخاطر إنك تفقد صوابك وتربط حياتك بمعلاق ماشي على الأرض.

من ناحية أخرى، مش هاين علي أموت بدون ما أترك جيناتي على الأرض وتطلع في أجيال جديدة، القيمة الرمزية عالية جداً. هلأ نظرية الاختيار الطبيعي ممكن يكون إلها رأي تاني، بس هاد موضوع طويل بده رسالة لحاله. على كل حال، عزائي هو إنه لما الإنسان يموت جسمه بتحلل وجزيئاته بتدخل السلسلة الغذائية وبتتوزع عالكائنات الحية، نباتات وحيوانات وبشر، يعني احتمال يكون فيك جزيء من شكسبير أو ام كلثوم. وهاد بذكرني لما بنت أختي سألتني بحزن ليش بناكل البقر، فقلتلها إنه احنا لما نموت أجسامنا بتتحلل والنباتات بتتغذى عليها والبقر بياكل النباتات، يعني البقر بياكلنا بالآخر وهيك بتكتمل دائرة الحياة. طبعاً أختي بهدلتني كيف أحكي لبنتها هيك كلام، بس برجع بقولكم إذا بصير نصيب وبتيجوا على هذا العالم فاستعدوا تسمعوا كتير من هاد الحكي

بس أحلى إشي بالموضوع إنه إنتوا مالكمش رأي فيه. لكن أنا رح أقولكم من هلأ: إذا جايين متوقعين أمّ من جماعة أبنائي حبي وحياتي وغرامي وانتقامي واقتباسات مع قلوب حب عالفيسبوك، أو جماعة بطعميش اولادي إلا أورجانيك وبعمللهم مهروس اللوز بعصيدة الذرة بالبيت، أو جماعة اللي بتخيط لاولادها ملابس تنكرية عشان مسرحية المدرسة وبتكون رئيسة مجلس الأمهات، إذا كانت هاي توقعاتكم فبقولكم من هلأ روحوا شوفولكم أم غيري. هيكم قاعدين في عالم الأرواح، روحوا دوروا على أبوكم، ممكن يكون في مكتبة، في مسجد، في مظاهرة، في اجتماع مجلس إدارة، أو في مجلس النواب (ما هي يمكن تكون وقعة سودا، حدا عارف شو بستناه؟). روحوا نقوله الأم اللي بتعجبكم، عشان ما تيجو يوم تحكولي: يا ريتك مش أمنا يا ريت فلانة أمنا. لأنه ورب الكعبة إذا كنت متذكرة هاي الرسالة وقدرت أطولها رح أورجيكم إياها وأحطها على عينكم، حتى لو بدكم ترفعوا علي قضية حجر. أساساً على شو بدكم تحجروا؟ هو أنا ما قلتلكم إني مش ناوية أتركلكم أملاك، لا بيوت ولا مصاري بالبنك، برجع بقولكم دبروا حالكم، أنا لسا بدي أقلق فيكم شو بدكم تعملوا بعد ما أموت وتصير عضامي مكاحل؟

وبالآخر هاد كله حكي فاضي طبعاً، فش إشي اسمه تختاروا أم تانية لأنه في هديك الحالة بتصيروا أشخاص تانيين، فهي كتبة، ما في مفر، على افتراض إنكم موجودين في أي عالم موازي طبعاً. فمش رح أخوفكم أكتر من هيك، يعني هو صحيح أنا مش مشروع أم مثالية بس أنا كمان ما بتوقعكم تكونوا أبناء مثاليين، ولا بدي تكونوا مشاريع صغيرة تعوضني عن الأشياء اللي كان نفسي أعملها بحياتي (بس إذا حدا فيكم حابب يصير دكتور مش رح أقول لأ)، ولا بطمح تكونوا جهابذ وشخصيات وطنية عظيمة، أساساً أريحلي تكونوا من الأغبية الصامتة اللي بتمشي من الحيط للحيط. لكن إذا طلعتوا غير هيك مش رح أمنعكم برضه. وصحيح مش ناوية أتركلكم ذهب تحت البلاطة بس ممكن أقدملكم تجارب حياتية قيمة، وعندي قصص كتير. لا تعتبروها دعوة، بس في حال صار وتحولتوا لحقيقة واقعة، بوعدكم ألاقي طريقة أتعايش معكم

شيطنة الطلاق

شو المشكلة في الطلاق؟
هذا السؤال كان في بالي من فترة، من وقت ما طلع خبر انفصال إليزابيث غيلبرت صاحبة كتاب “طعام، صلاة، حب” عن زوجها البرازيلي اللي تعرفت عليه في رحلتها المشهورة وكتبت عنه في الكتاب، وطبعاً طلعت أصوات الشامتين -عرب وأجانب- إنه هاد إثبات إنه فش إشي اسمه حب وكله كلام كتب وما إلى ذلك. ورجع السؤال رن في راسي مع خبر طلاق براد بيت وأنجلينا جولي اللي هم أشهر بكتير طبعاً فبالتالي ردود الأفعال كانت أقوى
أول شي خطر ببالي وقتها: إنه مين حكم إنه زواجهم كان فاشل لأنهم تطلقوا؟ ليش احنا مهووسين بفكرة إنه الحب أو العلاقات لازم تستمر للأبد عشان تعتبر ناجحة؟ يمكن سنة وحدة عاشتها إليزابيث غيلبرت مع زوجها بتسوى عشرين سنة عاشوها زوجين تانيين مع بعض وعافوا بعض من أول سنة. المدة مش المقياس الوحيد
طبعاً أي حدا بفوت بعلاقة بكون بحب إنها تستمر لحد ما واحد فيهم يموت أو يموتوا الاتنين سوا موتة رومنسية، هادا إشي طبيعي، بس مش مضمون، لأنه ببساطة الناس بتتغير والحياة بتتغير، كل اللي بتقدر تعمله إنك تحاول، الموضوع مش سهل وبده شغل من الطرفين، لكن إذا وصلوا مرحلة إنه علاقتهم دخلت غرفة الإنعاش وصفت عايشة على الأجهزة وبس عم بستنوا تموت لحالها موتة طبيعية، فعادي جداً يسحبوا الفيش، هاد مش قتل رحيم هاي فرصة لحياة جديدة
لكن أظن المشكلة تنبع من شيطنة الطلاق. هلأ أكيد ارتفاع نسبة الطلاق في مجتمع ما مؤشر على وجود خلل اجتماعي، بس الطلاق نفسه مش هو الخلل، المنظومة كلها مختلة من ساسها لراسها. بداية من نظرة الناس للزواج، لتوقعاتهم منه، لتوقعات الآخرين منه، لنظرة الناس للمتزوجين والمطلقين، وخاصة المطلقات
طبعاً واضح إنه مفهوم الزواج عنا موضوع مرتبط بالغرائز الجنسية والتناسلية فوق أي اعتبار آخر (داروين رح يكون فخور فينا على فكرة، احنا مصداق لكل نظرياته)، وكنتيجة لذلك بتلاقي عنا ناقوس الخطر بدق عند البنت بعد الثلاثين وعند الرجل بعد الخمسة وثلاثين. إنه خلص، بدك تلحق تخلف ولد ولدين، طبعاً على اعتبار الفكرة السائدة إنه المرأة بعد الخمسة وثلاثين بتكشنط وبتبطل نافعة، وهي فكرة مستمدة من عصور ما قبل الميكرويف لما الناس كانوا يتجوزوا بكير عشانهم أساساً كانوا يموتوا عالأربعين وعشان الفلاح كان لازم يجيب عشر احدعشر ولد يساعدوه في الحقل، لكن مش موضوعنا
موضوعنا إنه بعد هذا العمر المفصلي بصير الرجل والمرأة تحت ضغط اجتماعي إنه ما في وقت، فلازم تتجوز بسرعة وتخلف بسرعة، فبالتالي فش داعي تقعدوا تتعرفوا على بعض أكتر من شهر، عالسريع اللي عليك عليك، وفش داعي تستنوا، لازم من أولها تخلفوا عشان تلحقوا تجيبوا وريث للعرش
طب ولنفرض إنهم بعد ست شهور من العيشة مع بعض اكتشفوا إنهم بقدروش يعيشوا مع بعض، وكان في ولد بالنص؟ طبعاً زي أي شخصين محترمين محافظين في مجتمعنا المحافظ بطبعه لازم يسكتوا عشان الولد ويستسلموا لحياة من التعاسة والإقصاء العاطفي، وبعيشوا مع بعض أربعين سنة ويعتبر زواج ناجح لأنه استمر حتى النهاية. وبصراحة جزء مني بحس إنه يستاهلوا ولازم يتحملوا لأنه الولد ما إلو ذنب، وإنت بمجرد ما خلفت حياتك بطلت ملكك لحالك، بس الجزء الأكبر مني بقول: ليش تعملوا بحالكم هيك؟ وجزء آخر بقول إنه الولد بعيش، بالعكس يمكن يعيش حياة أفضل لما يكونوا أمه وأبوه منفصلين وسعداء من اللي رح يعيشها وهم متزوجين وتعساء.
بس طبعاً احنا عنا مشكلة تانية كبيرة هي وصمة العار اللي بتلحق بالمطلقة. وحدة بتتجوز ست شهور وبطلع جوزها معقد نفسياً وبضربها، بتتطلق منه وكونها مطلقة بصير لازم تقدم تنازلات وتنزل الstandards تبعونها، ويمكن تتجوز واحد أكبر منها بعشرين سنة، ولو كانت البنت حلوة ومتعلمة وفيها كل الصفات المثالية، بس خلص مطلقة يعني بدك تتنازلي، لأنا بنتعامل مع المرأة كسلعة، فإذا تزوجت وتطلقت تصبح مستعملة وبتنزل الresale value تبعتها، مش كإنسان بمر بتجارب بتخليه ينضج من كل النواحي. واه صحيح، جوزها اللي كان يضربها بعد شهرين برجع بخطب وبتجوز عادي
وهون برجع للسؤال: شو المشكلة الكبيرة بالطلاق؟ إذا كان الزواج من أساسه غلط، أو إذا تحول لحالة شبه دائمة من التعاسة فليش يستمر؟ وإذا في حدا مفكر يحكي من ناحية دينية، فتفضل اقرأ سير الصحابيات، كانت الوحدة تتجوز وتتطلق وتترمل وترجع تتجوز وتتطلق وتترمل، وما كان حدا يعيب عليها، بالعكس تنقي وتستحلي وتشترط
أنا بشوف إنه لو صار الطلاق إشي عادي وطبيعي ومتقبل في مجتمعنا فرح تصير 3 أشياء: رح تقل نسبة العنوسة (أنا آسفة على كلمة عنوسة) ورح ترتفع نسبة السعادة بين المتزوجين، ويمكن تقل نسبة الطلاق
تخيل إنه إنت بدك تتجوز، بس مش مضطر تضل خايف ومرعوب من فكرة إنه هاي هي الضربة القاضية ويا بتصيب يا بتخيب، فبالتالي لازم يكون الشخص المثالي 100%، وطبعاً بتكتشف بعدين إنه فش شخص مثالي 100%. لو كان الموضوع أبسط من هيك، اعتبرته تجربة، مثلاُ تعرفتي على واحد، حبيتيه، حسيتيه مناسب وممكن تعيشي معاه، بدون توقعات بالأبدية، وإنما عارفة إنكم إنتوا الاتنين في تجربة، بتعيشوا مع بعض أول فترة بدون ما تجيبوا أولاد تظلموهم معكم من أولها في حال ما اتفقتوا، بدون رعب من فكرة إنك ممكن حياتك تنتهي إذا صرتي مطلقة، بدون صرف مبالغ خيالية كأنك عامل إنجاز حياتك الأكبر، بدون أفورة مشاعر على الفيسبوك وبحبك وحلم عمري من أول شهر، بدون كل هالضغط، بعدين إذا لقيتوا الحياة ماشية حلو وبدكم تستمروا بتجيبوا صبيان وبنات وبتعيشوا بقصر من الغيوم الوردية والغزل اللي بلعي المعدة على الفيسبوك
ولما تكون فكرة الطلاق حاضرة ومش مستحيلة، أظن إنه بصير أصعب أحد الطرفين يضمن الآخر فيفقد الاهتمام فيه. مش بقوللك يسيء الرجل إلى المرأة التي يضمن بقاءها؟ وفي مجتمعنا في اعتقاد ضمني بإنه المرأة هي اللي دايماً بتخاف من الطلاق وبتخاف زوجها يتركها، وياما رجال بهددوا زوجاتهم بالطلاق وكإنه سلاح. أقوللك؟ طلقني وريحني من هالقصة عاد. هادا اللي ضايل علي، واحد يهددني إنه يتركني، أي فك عني
صحيح الطلاق مش إشي سهل، بس هو ما بيعني إنك فشلت أو إنك اخترت غلط بالضرورة، بل بيعني إنك جربت وغامرت وحبيت وانحبيت وتجرأت تعترف إنه هاد الحب انتهى، وهاد أكيد أحسن من إنك تعيش حياتك وحيد في جفاف عاطفي منتظراً الشخص المثالي، أو تعيش حياة تعيسة مع شخص فقدت التواصل معاه عشان ترضي مجتمع مختل ومنظومة مختلة لا تناسب العصر اللي احنا عايشين فيه بقدر ما قد تناسب أوروبا في العصور الوسطى
بالنهاية براد بيت طلع واحد وسخ وعينه فارغة، وما أتيس من جنيفر أنستون اللي خانها مع أنجلينا إلا أنجلينا اللي خانها مع ماريون كوتيار، وواضح إنه حياتهم مليئة بالقذارة وفخار يكسر بعضه، بس في النهاية ما بتقدر تقول إنه زواج 12 سنة راح بالزبالة، ولا إنه النظرة اللي كان يطلعها عليها كذب، عادي يكون في إشي حلو وينتهي بدون ما يثبت أو ينفي أي نظريات
ملاحظة: في فرق بين الشخص اللي شايف إنك ممكن تستمر معاه بس حاطط احتمال الانفصال من باب الواقعية، وشخص واضح من البداية إنه مش رح تتحمل تكمل معاه، هاي اسمها تياسة، فاقتضى التنبيه

مرايا

عشر ساعات من النوم ليلاً يمكن أن تصنع العجائب. هذا ما فكرت به وهي تنظر إلى وجهها في المرآة. تكاد تقسم أنها لم ترَ نفسها بهذا الجمال من قبل، كأنما سعاد حسني قد بُعثت من جديد، بل وشعرت بأنّ كل ما يُقال عن كون الجمال شعوراً داخلياً وأمراً نسبياً محض هراء وتلفيق، هذا جمال لا يختلف فيه ذوقان، لا شعور داخلي ولا بطيخ. وبما أنه لا شيء يدفعك إلى بدء يومك بنشاط كرؤية وجه جميل في الصباح، قررت استغلال الإجازة لإنهاء بعض الأمور التي لا تنتهي، وتحت تأثير جرعة الثقة التي سخت بها المرآة، رأت أن تمنح بشرتها استراحة من المساحيق لهذا اليوم

دخلت الصيدلية لشراء واقٍ من الشمس. كان ُيفترض أن يستغرق الأمر خمس دقائق، إلا أن فتاة أنيقة استوقفتها وراحت تتفحص وجهها. أشارت إلى تباين الألوان في وجهها، وبشرتها المنهكة التي تحتاج إلى عناية خاصة، والتجاعيد التي تهدد بالظهور، واقترحت عليها مستحضرات ممتازة ومضمونة لكل تلك المشاكل، كلها من نفس الشركة التي تعمل الفتاة لحسابها بالطبع

عادت إلى السيارة بعد أن أنفقت ثروة صغيرة في الصيدلية. نظرت إلى وجهها في المرآة الخلفية فبدا أقل بهاءّ من الوجه الذي رأيته في مرآة غرفتها ذلك الصباح. فتاة الصيدلية محقة، بشرتها متعبة والتجاعيد تحاول شق طريقها إلى ما تحت عينيها وحول شفتيها بضراوة

نزلت إلى الصالون لتقص شعرها الذي تقصفت أطرافه مؤخراً. أقنعتها الكوافيرة هناك بأن هناك حلّاً لشعرها المجعد، وأنه لن يكلفها أكثر من 150 دينار. ورغم كل محاولاتها لإقناعها بأن شعرها المجعد لا يشكل مشكلة بالنسبة إليها، إلا أنها وعدتها بالعودة لتمليسه إلى الأبد وقمع حلقاته وتجعداته بأسلحة كيماوية وسشوار من حديد. أما لون شعرها الأسود الباهت الممل فلم تناقشها فيه، واختارت اللون الذي ستصبغه به في المرة القادمة من دون اعتراض. في أثناء ذلك تناولت مجلة كانت أمامها وقرأت نصيحة من إحدى طبيبات التجميل للفتيات بالبدء بحقن البوتكس في وجوههنّ في عمر السابعة والعشرين، وبما أنها قاربت الثلاثين، تحسست جبينها ونظرت إلى المرآة التي أمامها، وأدركت أنه “راحت عليها”. قلبت صفحات المجلة فوجدت مقالة بعنوان “ريجيم الخمسة أيام لتتألقي في البكيني هذا الصيف”، وبجانبه صورة عارضة أزياء تعيش على الخس والفيتامينات، وفي الصفحة التالية وجدت مقالة بعنوان: “أنت جميلة كما أنت”. قبل أن تخرج استوقفتها أخصائية المكياج وراحت تحكي لها عن تقنيات “الكونتورينغ” الجديدة التي تعلمتها وكيف يمكنها خلال عشر دقائق أن تصغر أنفها إلى نصف حجمه. لم تنتبه إلى أنّ أنفها كبير إلا اليوم، بل أنها أصبحت تشعر بأنه يعيق رؤيتها

في الطريق إلى البيت وصلتها رسالة واتساب، فتحتها فوجدت إعلاناً من إحدى مراكز إزالة الشعر باالليزر تعدها “بأنوثة أبدية بلا تعب”، وإلى جانبها صورة فتاة ذات جسد يشبه الحجر المصقول. نظرت إلى يدها على عجلة القيادة، وتحديداً إلى تلك الشعيرات السوداء المتفرقة التي تظهر من تحت كمّ القميص عند التقاء الكف والمعصم،  وبدأت تشك في كونها أنثى، أو على الأقل أنثى كالتي تظهر في دعايات مراكز التجميل

فتحت الراديو فصدحت أغنية تتغنى بالسمار والسمراوات، لكنها قُطعت فجأة لتبث دعاية لمستحضر لتفتيح لون البشرة في أربعة أسابيع، ثم انتهى الفاصل الدعائي وعاد البرنامج الذي كان يستضيف خبيرة بشرة للتحدث عن أحدث أجهزة التخلص من السيليوليت، ذلك الشيء الذي تشترك فيه مع 85% من نساء العالم، والذي نسيت أمره لكنه بدا في هذه اللحظة أكبر مشكلة في حياتها، وراحت تحسب في ذهنها تكلفة التخلص منه وفقاً لما قالته الخبيرة على الراديو، فقررت تجاهله من جديد، لكن إن استطاعت تجاهل السيليوليت فماذا تفعل بتشققات الحمل وترهلات ما بعد الولادة؟

عادت إلى البيت بعد الظهر. نظرت في المرآة نفسها فرأت امرأة بدينة، مجعدة الوجه، باهتة البشرة، شعورة كغوريلا، مترهلة كفرس نهر، يغطي أنفها نصف وجهها، وحاجباها النصف الآخر. تساءلت كيف ينظر إليها زوجها أصلاً، وأدركت كم هو كاذب محترف حين يقول لها إنه يراها أجمل من ميريام فارس ونجوى كرم. لكن لا يهم، ستطرش نفسها بالمكياج وتتعلم تقنيات الكونتورينغ، وستأخذ قرضاً لتحرق شعر جسدها عن بكرة أبيه وتحقن وجهها بعشرة كيلو بوتكس وتكوي التشققات وتذيب السيليوليت، لكن قبل كل ذلك كان عليها أن تعرف على وجه الضرورة: من غيّر تلك المرآة؟