لعله خير…

اهتزت الأرض تحت قدميها فجأة، واليد التي كانت تمسح السقف بخرقة القماش أصبحت تتخبط في الهواء محاولة عبثًا التشبث بأي حافة قريبة، حتى استقر جسدها على الأرض المبتلة، واستقرت الخرقة فوق وجهها.0

جمدت في مكانها بضع ثوانٍ محدقة إلى السقف، ثم توجهت بنظرها إلى الباب حين تذكرت زوجها الجالس في الصالون. صدى صرختها لا يزال يتردد في أذنيها، لا بد أنه سمعها وسيطلّ من الباب في أية لحظة.0

مرت دقيقة وساد السكون في المطبخ، هي والسلّم ملقيان على الأرض، وصوت التلفزيون القادم من الصالون يزيدها حنقًا على حنق؛ يبدو أن نشرة الأخبار، أو مذيعة الأخبار، أهمّ من زوجته التي كادت تكسر ظهرها للتو.0

تذكرّت تلك المرة في فترة الخطوبة حين انزلقت عن الدرج ولوت كاحلها. يومها حملها ثلاثة طوابق إلى بيت أهلها ثم خرج مسرعًا ليجلب لها الطبيب. كانت تبتسم كلما تذكرت ذلك الموقف، لكنه الآن جعلها تغلي من الداخل بغيظ مكتوم. حركات الشهامة تلك كانت ضرورية وقتئذٍ، أما الآن وبعد عشرين عام من الزواج لم يعد لها لزوم. من يُطعم سمكة بعد اصطيادها؟

رفعت نفسها قليلًا عن الأرض وتحسست ظهرها. شعرت بالأسف على نفسها وعلى سنوات عمرها التي ضاعت في استثمار فاشل. عشرون عامًا ولم يدخل عليها يومًا بوردة أو علبة شوكولاتة في عيد الحب، وكانت تقبل تبريره بأنه مناسبة مزيفة وتجارية. حتى أنها لم تطالبه يومًا بهدية في عيد ميلادها، الذي يصادف منتصف الشهر وذروة الإفلاس دائمًا. أدركت أنها أرخت له الحبل أكثر من اللازم حتى لم يعد يشعر بأي مسؤولية تجاهها، ولا يأبه حتى بصرخات استغاثتها.0

“أم لعله الملل الذي خيّم على حياتهما؟ ربما تكون شريكة في ذلك، ربما سمحا لرتابة العيش أن تطفئ شرارة الجنون التي وُلدت منها علاقتهما يومًا. كادت تستكين لتلك الفكرة، لكنّ صوت التلفزيون الذي ما زال يتدفق من الداخل أجّج غضبها من جديد. لقد عزمت أمرها، ما أن تستجمع قوتها وتنهض ستقوم وتكسره فوق رأسه، ثم ستوضب حقيبتها وتذهب إلى بيت أهلها. كان عليها أن تسمع نصيحة أمها حين قالت لها إن هذا الحب الذي يبدأ على مقاعد الدراسة ووسط أحلام الشباب الثورية حب “فالصو” لا يصمد أمام عوامل الحت والتعرية. لكنّ -الأوان لم يفت، ما زال أمامها وقت لاستدراك غلطتها.0

نهضت بتثاقل، ثم دبّت فيها شحنة طاقة تصاعدت بداخلها كدفق من الحمم البركانية، فانطلقت نحو الصالون تابعة صوت شارة الأخبار، فاغرة فمها على استعداد لإطلاق سيل من مصطلحات التوبيخ والعتب والسباب التي كانت تتحرج منها سابقًا، لكنها بدت اليوم أنسب ما يمكن قوله.0

ما إن وصلت إلى غرفة الجلوس حتى تسمّرت في مكانها. كان التلفزيون يصدح بالإعلانات التجارية أمام طقم خالٍ من الكنب، ومن الحمّام في الزاوية البعيدة خرج زوجها ينشّف شعره، وينظر إليها مشيرًا بإيماءة من رأسه إلى جهة النافذة…0

“سمعتي صوت صياح من برا؟ شكله من عند الجيران. لعله خير…”

Advertisements

ثلاثة دباديب حمر

“ثلاثة دباديب حمر”
 
تجلس ساهمة وراء المكتب الخشبي، تحدّق في المارين أمام الواجهة الزجاجية، يتوقف أحدهم بين الحين والآخر ليتأمل الدبدوب الأحمر العملاق المعروض فوق بساط من القصاصات الحمراء ووسائد على شكل قلوب حب كُتبت عليها عبارات إنجليزية بتهجئة خاطئة. يفتح أحد الفضوليين الباب ليسأل عن سعره، فتجيبه بوجه باسم بينما تشتمه في سرها لتجرئه على فتح الباب والسماح لهواء الشتاء البارد بالدخول
 
تنظر إلى الرزنامة الورقية أمامها. الرابع عشر من شباط. تتفقد محفظتها وتعدّ ما بقي فيها، توزعه على بقية أيام الشهر وتترحم على من قرّر اختزاله في ثمانية وعشرين يومًا. هذا أقصى ما يمكن لبشر أن يحتمله من شباط
 
ينبهها صوت مناورات قطتين في الخارج، تلك الكائنات القميئة لا تجد مكانًا لممارسة طقوس تزاوجها السادية إلا تحت نافذة غرفتها أو أمام بابالمحل. تهمّ بالقيام لطردها ثم تتوقف حين يهشّها طفل في طريقه لدخول المحل، قابضًا بيده على دينار مهترئ.
 “أمي بتقوللك بدها كيس عقيدة بالشبة”
“مسعدة أمك!” تتمتم وهي تحضّر له طلبه، لكنه لا يعيرها انتباهًا إذ يقف مشدوهًا أمام الدبدوب الأحمر الذي يفوقه طولًا بمرتين
“قديش حقه هاظ؟”
 “خمسين دينار.”
 “واااااال! مين بده يشتريه؟”
 “الناس البطرانة، بحبوا يتهادوا.” تقول وهي تأخذ منه الدينار المقطّع الموصّل
 
 
تجلس بعد خروجه لاستكمال روتينها اليومي، إلا أنّ فكرة جديدة تشغلها. دبدوب بخمسين دينار. هذا يعني أن راتبها الذي تتقاضاه مقابل العمل عشر ساعات في اليوم هنا يعادل ثلاثة دباديب. “دبدوب لقسط الجمعية، ودبدوب لأدوية أمي، ودبدوب للطعام والمواصلات”0
 
يدخل فتى مراهق ليسأل عن الدبدوب، يسمع السعر ولا يغلق الباب خلفه نسيانًا أو احتجاجًا على سعر الحب الذي يفوق مصروفه الشهري. تناديه ليعود ويغلق الباب، ثم تقوم بامتعاض لإغلاقه بنفسها
 
تقف بمحاذاة الدب، لا شيء يفصل بينهما. تتأمل لونه الأحمر المستفز، وتعود الفكرة نفسها للنخر في رأسها. تمد يدها وتلمس فراءه الناعم. تغوص يدها في جسده القطني الغض. تنظر حولها، الشارع خالٍ من المارة، تسرع إلى علبة لعدّة تقليم الأظافر، تخرج منها سكينًا صغيرة، تتأكد مجددًا من عدم وجود مشاهدين، وتُعمل السكين في جسد الدب الصامت
 
“دب لقسط الجمعية، ودب لأدوية أمي”